آليات اكتساب اللغة قبل مرحلة التعلم المنهجيّ

يعد اكتساب اللغة عند الأطفال من أكثر الأمور اللافتة للنظر والمثيرة للإعجاب حقًّا؛ ففي سن الخامسة يسيطر الأطفال بشكل أساسي على نظام الأصوات والقواعد اللغوية في لغتهم، ويكتسبون آلاف الكلمات. إنّ المعالم الرئيسية لتطور لغة الطفل في السنوات الخمس تؤثر تأثيرًا عميقًا وقويًّا على تعليم وتعلم الطفل للغة في السنوات التي تلي ذلك. فليس صحيحًا أنّ تعلم الطفل اللغةَ يبدأ بعد أن يذهب إلى المدرسة، فالبداية تكون قبل ذلك بكثير. لذلك يعدّ فهم آليات التعلم التي يلجأ إليها دماغ الطفل منذ ولادته حتى سن الخامسة ضروريًّا لأولياء الأمور وللمعلمين. ولمّا كان أبناء العربية لا يكتسبونها ولا يتعرضون لها في سنواتهم الأولى إلا لمامًا، فإنّ الوضع يصير أكثر تعقيدًا وصعوبة مما يتصوره الكثيرون.

إنّ المهارات اللغوية للأطفال الصغار مهمة وضرورية لنجاحهم على المستوى الشخصي أو على المستوى الأكاديمي، لذلك فإنّ الحاجة ملحّة لأن يكون لدينا فهم لآليات اكتساب اللغة التي يمكن أن توفر أساسًا متينًا لتحسين النمو اللغوي عند جميع الأطفال. فعلى الرغم من أن جميع الأطفال الطبيعيين في البيئات العادية يكتسبون اللغة (أو اللغات) التي يسمعونها، فإن معدلات النمو اللغوي لدى لأطفال تختلف اختلافًا كبيرًا، ولعل هذا يتضح إذا قارنّا بين عدد من الأطفال في صف دراسيٍّ واحد، فكثير من الاختلافات بينهم، فيما يتعلق باكتساب المهارات اللغوية، والتمكن من استخدام اللغة في سياقات طبيعية، يعود بشكل كبير إلى الاختلافات بينهم في البيئات المنزلية التي قدموا منها.

ولكي نتمكن من فهم آليات استخدام اللغة عند الأطفال نحتاج أنْ نصف مسارات تطورها وصفًا يفصل بين مستوياتها: الصوتية والمعجمية والنحوية، مع التأكيد على أنّ هذه المستويات مترابطة في واقع استخدام اللغة.

فعلى المستوى الصوتي توصلت الدراسات إلى أن المواليد الجدد يتمتعون بالقدرة على سماع أصوات الكلام وتمييزها. وخلال العام الأول يصبحون أفضل في تمييز التباينات الصوتية في لغتهم، ويصبحون، في الوقت نفسه، غير حساسين للتباينات الصوتية غير المرتبطة بلغتهم التي يسمعونها باستمرار من المحيطين بهم. يحدث ذلك نتيجة لعملية تعلم يشكل فيها دماغ الرضيع أنماطًا صوتية متمايزة لمجموعة الإشارات الصوتية التي يسمعها بشكل متكرر كل يوم. هذه الأنماط توجه، لاحقًا تصوّر الدماغ للأصوات وتصنيفه لها.

إنّ الأصوات الأولى التي ينتجها الطفل هي صرخات وضوضاء لا تشبه الكلام. وتتشكل المعالم الرئيسية للتطوير الصوتي قبل الكلام بإنتاج مقاطع صوتية متوافقة (صامت + مجموعة من الصوائت)، وهذه تظهر ما بين عمر 6 و 10 أشهر، يليها بعد ذلك تكرار المقاطع، الذي يعرف عادة بالمناغاة. وعندما يبدأ الطفل بنطق كلماته الأولى، فإنه يستخدم الأصوات والمقاطع  نفسها التي كان يستخدمها في مرحلة المناغاة.

ويبدو أن الجهود النشطة التي يبذلها الرضيع لإعادة إنتاج الأصوات التي يسمعها تمثل عمليات متكررة تسهم في التطور الصوتي المبكر؛ ففي المناغاة  قد يكتشف الرضيع العلاقة بين ما يفعله مع جهازه الصوتي والأصوات الصادرة منه. ولذلك يعدّ التفاعل مع الرضيع في هذه المرحلة مهمًا وضروريًّا جدًّا. وحين يكمل الطفل 18 شهرًا فإنّ دماغه يكون قد شكّل نظامًا عقليًا لتمثيل أصوات لغته التي يسمعها، وإنتاجها ضمن قيود قدراته النطقية. ويصبح إنتاج الأصوات في هذه المرحلة متّسقًا عبر كلمات مختلفة. إنّ الأمر كلّه يعتمد اعتمادًا كبيرًا على اللغة التي يسمعها الطفل في هذه المرحلة؛ لأنّ عقله يبني تماثلات صوتية، ويؤسس لنظام صوتي سيتطور، بعد ذلك، مع الزمن والتعليم المنهجيّ.

أما على مستوى المعجم فتشير الدراسات إلى أنّ الطفل يفهم كلمته الأولى، وعمره لا يتجاوز 5 أشهر، وينتج  كلماته الأولى بين 10 و 15 شهرًا، ويصل معدل الكلمات التي ينتجها إلى 50 كلمة حين يبلغ من العمر سنة ونصف، وإلى  100 كلمة حين يقترب من إتمام عامه الثاني، ثم يبدأ تطور المفردات عنده يتسارع بشكل كبير بحيث يصير تتبع عدد الكلمات التي يعرفها الأطفال متعذَّرًا. أما عدد المفردات التي يعرفها الطفل في عمر ست سنوات فيقدر بـ  14000 كلمة.

إنّ مهمة تعلم الكلمات توظف آليات عقلية مختلفة؛ فالطفل يتتبع احتمال ظهور الأصوات معًا، ويحاول أن يقسم  تيار الكلام المستمر الذي يسمعه إلى كلمات منفصلة، وتفعّل القدرة على تخزين تتابعات أصوات الكلام، التي تعرف باسم الذاكرة الصوتية، في دماغ الطفل عندما تشيّد المداخل المعجمية الأولى لمعجم الطفل اللغوي. وحين يواجه الطفل بكلمة جديدة، لم تمرّ في خبرته السابقة فإنه يسترشد بقدرته على استخدام آليات استدلال تعتمد على البعد الاجتماعي، كأن يلتفت إلى أحد الكبار ويسأله عن معناها، أو تعتمد على  فهمه الإدراكي للعالم من حوله، كأن يربط الكلمة الجديدة بمفاهيم موجودة مسبقًا (مثل ربطه كلمة "كيوي" مثلًا بمفهوم الفواكه، أو شيء يؤكل)، أو من خلال معرفته اللغوية السابقة، كبنية الجملة التي تظهر فيها كلمة جديدة، وتوفر له أدلة على معنى هذه الكلمة. لكن رفع قدرة الطفل على فهم الكلمات يحتاج إلى تطوير تجاربه الشخصية، وخبراته المفاهيمية؛ فالطفل الذي تتيح له أسرته تجارب منوّعة كثيرة، يكون أكثر قدرة على فهم الكلمات الجديدة، من الطفل الذي يفتقر إلى مثل هذا الغنى في التجارب والمواقف والخبرات.

فإذا انتقلنا إلى المستوى النحوي فإنّ الطفل يبدأ في وضع كلمتين، أو أكثر في جمل قصيرة بعد أن يتم عامين تقريبًا. وغالبًا ما تتكون الجمل الأولى للأطفال من الكلمات المعجمية (كلمات المحتوى)، و تفتقر إلى الكلمات الوظيفية (كحروف الجر مثلًا) كما تفتقر جمل الأطفال الأولى أيضًا إلى صيغ الجمع والتنوع الزمني. لكن بعد أن يتقن الطفل تدريجيًا قواعد لغته يصبح قادرًا على إنتاج جمل طويلة ومكتملة نحويًا. وعادة ما يبدأ تطور الجمل المعقدة عند الطفل قبل أن يكمل عامه الثاني، ثم يكتمل هذا التطور إلى حد كبير في سن الرابعة. وبشكل عام فإنّ الأمر يعتمد كثيرًا على طبيعة وكثافة ما يتلقاه الطفل من تنويعات لغوية مختلفة.

إنّ الطفل حين يذهب إلى المدرسة، يكون دماغه مجهّزًا بمعرفة فطرية-مكتسبَة عن بنية اللغة، هذه المعرفة الأساسية هي التي تيسّر أمر تعلّم اللغة، وتعلّم القراءة والكتابة. لقد صار واضحًا الآن أن الأطفال لديهم القدرة، حتى في مرحلة الطفولة المبكرة جدًّا، على اكتشاف أنماط مجردة في الكلام الذي يسمعونه، وهناك أدلة قوية للغاية، تقدمها الدراسات المهتمّة بتطور لغة الأطفال، على أن الأطفال الذين يسمعون المزيد من الكلام والذين يسمعون خطابًا أكثر تعقيدًا من الناحية البنيوية يكتسبون قواعد اللغة بسرعة أكبر من الأطفال ذوي الخبرة الأقل، مما يشير إلى أن التجربة اللغوية التي يعيشها الطفل في البيت تلعب دورًا كبيرًا في تطوير مهاراته اللغوية، وفي تعلّمه اللغةَ في المدرسة.

إنّ تطور اللغة عند الأطفال لا يختلف باختلاف اللغة أو العرق، فالآليات التي يتّبعها دماغ الطفل في بناء تماثلات مفهومة عن اللغة لا تتغير بتغيّر اللغة، مما يشير إلى وجود أساس بيولوجي عالمي لهذه القدرة البشرية. ومع ذلك، فإن معدل النموّ اللغوي عند الأطفال يتباين تباينًا كبيرًا؛  بسبب تباين تجارب الأطفال، والفروق الشاسعة بين الخبرات التي يتعرضون لها ويحيوْنها في بيوتهم؛ فالأطفال الأذكياء يحتاجون إلى تجربة تفاعلية بسيطة من أجل اكتساب اللغة. ومع ذلك، فإنّ عددًا كبيرًا من الأطفال قد لا يختبرون تفاعلًا لغويًا كافيًا لزيادة نموهم اللغوي إلى الحد الأقصى. ولذلك يحتاج الآباء إلى أن يدركوا أدوارهم الحاسمة في تطوّر لغة أبنائهم، وعلى المعلمين أن يساعدوا الأطفال الذين يأتون من بيئات فقيرة لغويًا، ليعوضوهم عن الخسارات التي قد لا يلحظها أحد.

وبعد، فإنّ كلّ أطفال العالم يذهبون إلى المدرسة ليتعلموا اللغة التي سمعوها في البيت، والتي تحدثوا بها مع آبائهم وإخوتهم وأخواتهم، إنّها اللغة التي بنت عقولهم لها تمثّلات صوتية، ومداخل معجمية، وبنى نحوية قبل أن يبدؤوا تجربة التعلم المنهجية. إنّ بناء لغويًّا يكاد يكون متكاملًا قد شُيِّدَ في أدمغتهم للغة التي سيتعلمون كيف يقرؤونها ويكتبونها في المدرسة. فإذا أردنا أن نتحدث عن اللغة العربية فإنّ أبناءها يفتقرون إلى مثل هذا؛ لأنّ أدمغتهم قد شيّدت بنيانًا للغة التي سمعوها في البيت، سواء كانت العاميّة أو الإنجليزية أو خليطًا منهما. فما حظّ العربية من كل هذا؟ صحيح أنّ العاميّات لا تنفصل انفصالًا تامًّا عن العربية الفصيحة، وأنّ هناك تداخلًا يكبر أو يصغر بينهما، خاصة على المستوى الصوتي، لكن هذا لا يساعد الطفل كثيرًا، لأنّ الفصيحة تفارق العاميات في كثير من الخصائص، على المستوى النحوي، والمعجمي. 

إنّ أطفال العربية لا يتعرضون لها وهم في أهم مرحلة من مراحل نموّهم اللغوي، وكثير من الآباء يحرص على أن يتحدث مع أبنائه منذ الصغر باللغة الإنجليزية، ولذلك تعمل أدمغتهم الصغيرة بنشاط وكفاءة لتؤسس لنظام لغويّ ليس هو النظام الذي سيتعلمونه في المدرسة، وسيتدربون على استخدامه في القراءة والكتابة. إنّ هذا النظام لم يأخذ حقّه في حياتهم في أهمّ مرحلة من مراحل نموّهم اللغوي، في السنوات الخمس الأولى من عمرهم.

إنّ اقتصار التفاعل اللغوي بين الآباء وأطفالهم على العربية الفصيحة أمرٌ غير واقعي، وغير علميّ، لأنّ الفصيحة ليست لغة التخاطب اليوميّ في أيّ بيت عربيّ، ولكنّ هذا لا يعني أن نسقطَ العربية تمامًا من حسابنا، ونحن نحاول أن نساعد أبناءنا على تطوير إمكاناتهم اللغوية، ومهاراتهم التواصلية. يحتاج أبناء العربية إلى أن يسمعوها في بيوتهم، وهم يكتشفون العالم من حولهم في سنواتهم الأولى، ويمكن لهذا أن يتحقق بخطوات بسيطة يقوم بها الأهل، كأن يقرؤوا لأبنائهم قصصًا باللغة العربية، أو يُسمعوهم بعض الأغاني والأناشيد ويغنّوا معهم، أو حتى يكسروا نمط التواصل اليومي باللهجة العاميّة بين وقت وآخر، ويستخدموا كلمة فصيحة أو جملة أو جملتين. إنّ جهودًا بسيطة، لكن متكرّرة ومقصودة، ستؤثّر تأثيرًا عميقًا وممتدًّا على تعلم الطفل العربيةَ حين يحين وقت التعلم. فإذا كان دماغ الطفّل يشيّد بنيانًا لغويًّا متكاملًا للغة التي يسمعُها، فلنخصص للعربية غرفة أو شرفة في هذا البنيان. وذلك أضعف الإيمان.

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى