القراءة بوّابة المعرفة

(هذا المقال جزء من مقدمة سلسلة: "القراءةُ بطلاقَةٍ لفَهمٍ أفضل" التي ستصدر قريبًا عن دار أشجار)

د. لطيفة الفلاسي

تعدّ مهارة القراءة مهارة أساسيّة في حياة الطالب، فبها يتقدّم في تعليمه وتعلّمه، ومن دونها لن يتمكن من تحقيق أيّ تقدم يذكر.

كما تعدّ سنوات الدراسة الأولى مرحلة حاسمة في تحديد مسار الطالب فيما يتعلق بمهارة القراءة؛ فكلّما كان التركيز على تدريب الطالب، وصقل مهاراته القرائية كبيرًا، كانت فرصة نجاحه وتمكّنه أكبر.

والعكس صحيح أيضًا؛ فإنّ عدم الاهتمام بمساعدة الطالب الضعيف على تجاوز مشكلته في القراءة سيؤدي إلى تعقيد هذه المشكلة وصعوبة حلّها في السنوات اللاحقة،  خاصةً إذا وصل الطالب إلى الصف الرابع؛ لأنّ هذا الصف يمثل المرحلة التي ينتقل فيها الطالب من مرحلة "يتعلم ليقرأ" إلى مرحلة "يقرأ ليتعلم"، بمعنى أنه يصبح قارئًا ماهرًا، وأن مستواه في القراءة يؤهله ليقرأ نصوصًا طويلة، وأكثر تعقيدًا. 

فإذا انتقل الطالب إلى الصف الرابع وهو ما يزال يعاني من مشكلات في مستوى تمييز الكلمات والطلاقة فإنّ دماغه سيبقى مشغولًا بحل هذه المشكلات، مما يعني أنّ طاقة الدماغ التي تعمل من أجل الفهم ستكون أقل.

إنّ العاملين في الميدان التربوي يتحملون مسؤولية أن يتمكن جميع الطلبة من مهارة القراءة تمكّنًا قويًّا ملموسًا قبل انتقالهم إلى الصف الرابع. وهذا التمكّن لن يتحقق إلا إذا نجحوا في رفع مستوى الطلبة في مستوى تمييز الكلمات، ومستوى الطلاقة. 

 

مكوّنات القراءة الأساسية:

تتكون مهارة القراءة من خمسة مكوّنات أساسية، يعتمد بعضها على بعض؛ فالضعف في المستوى الأول يؤدي إلى ضعف في المستوى الثاني، والضعف في المستوى الثاني يؤدي إلى ضعف في المستوى الثالث. وهكذا.

لكي نحلّ مشكلة الضعف القرائي يجب أن نحدّد المكوّن أو المكونات التي يواجه فيها الطالب مشكلة، وإلا فإنّ كل جهودنا ستكون ضائعة تقريبًا.

  1. الوعي الصوتي :

القدرة على تحليل الكلمات إلى أصواتها، وتمييز الصوت الأول والأخير، والجمع بين الأصوات لتكوين كلمات جديدة، وهي مهارة شفوية.

  1. الأصوات:

القدرة على الربط بين الرمز الكتابي للحرف والصوت الذي يرمز له.  وغالبًا ما يرتبط هذا المكوّن بمهارة التحليل؛ وهي القدرة على تهجئة الكلمات الجديدة لقراءتها.  وبعضهم يفصل التحليل في مكوّن مستقل. وهي مهارة في غاية الأهمية، وتؤسس للطلاقة والفهم.

  1. الطلاقة:

القدرة على القراءة بسرعة، ودقّة، وبتعبير مناسب عن المعنى.  والطلاب الذين يفتقرون إلى الطلاقة يقرؤون ببطء، ورتابة، يقرؤون كلمة كلمة، ويرتكبون الأخطاء. ويتوقفون لفترات تطول أو تقصر أثناء القراءة. ولا يحسنون التعبير عن المعنى أثناء قراءتهم.

  1. المفردات:

يؤثر تطوير المفردات تأثيرًا مباشرًا على الفهم، فكلما زاد رصيد القارئ من المفردات، وكان معجمه اللغوي غنيًا زادت فرصة فهمه للنصوص التي يقرؤها.

يحتاج الطلبة إلى مساعدة لإغناء معجمهم اللغوي من خلال الأنشطة، وقراءة القصص، والنصوص الجيدة، وتوظيف المفردات الجديدة التي تعلموها في كتاباتهم، وكل هذا يتم بإرشاد المعلم، ومتابعته.

  1. الفهم:

هو العملية المعرفية المعقدة التي تحصل في الدماغ والتي تمكّن القارئ من فهم ما يقرأ، وإدراك المعاني المتضمنة في النصوص، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. 

ويعتمد الفهم بدرجة كبيرة جدًّا على تمكّن القارئ من المكونات السابقة؛ فإذا كان القارئ غير متمكّن في أي مكوّن من المكوّنات السابقة فإنّ فهمه للمقروء سيتأثر بدرجة تزيد أو تقلّ بحسب درجة عدم التمكّن هذه. 

كما يعتمد الفهم كذلك على الخبرات السابقة، والمعارف المختلفة التي اكتسبها القارئ، وعلى فهمه لبناء الجمل في اللغة (النحو)، وعلى عمل الذاكرة كذلك.

 

الكلمات السمعيّة والكلمات البصرية والكلمات الشائعة:

يتداول العاملون في مجال تعليم اللغة هذه المصطلحات الثلاثة كثيرًا، وهي مهمّة للغاية لكل من يعلّم الأطفال القراءة. فما الفرق بين هذه المصطلحات الثلاثة؟

  • الكلمات السمعيّة:

هي الكلمات التي يمكن تهجئتها وتحليلها إلى مقاطع وأصوات، ويمكن كذلك تركيبها من مقاطع وأصوات؛ مثل: كَتَبَ، يَلْعَبُ، حوتٌ، لاعِبٌ، مُسْتَشْفى....

  • الكلمات البصريّة:

هي الكلمات التي يمكن تمييزها في لمحة، أو الكلمات التي يمكن تمييزها سريعًا بالنظر، دون الحاجة إلى تحليلها، وهي في الغالب لا تستجيب لضوابط التحليل الصوتي في اللغة؛ من مثل: في، مِن، هذا، ذلك، هو، هي...

  • الكلمات الشائعة:

هي الكلمات كثيرة الاستعمال والدوَران في النصوص، أو هي الكلمات عالية التردد في اللغة. وهذه الكلمات قد تكون سمعيّة، وقد تكون بصريّة. لكن الكلمات السمعيّة كثيرة التردد تتحوّل إلى بصريّة بالنسبة للقارئ بمجرد أن تصبح من الكلمات التي يتمكن من قراءتها في لمحة سريعة، أي أنّة يميّزها سريعًا بالنظر.

معنى ذلك أنّنا نحتاج إلى معرفة الكلمات كثيرة الدوران في اللغة، لكيْ نستخدمها بكثافة في تعليم الأطفال، سواء كانت سمعية أم بصرية.؛ فطبْقًا لما تقوله الدراسات الكثيرة في هذا المجال فإنّ أول 100 كلمة في اللغة قد تشكّل  ما يقارب  نصف الكلمات الموجودة في النصوص المكتوبة. فتأمل كيف يمكن لمعرفة هذه الكلمات، وقراءتها قراءة سريعة أن يساعد القرّاء الصغار.

كيف يمكن تحديد الكلمات الشائعة في اللغة؟

تحديد الكلمات الشائعة في اللغة عمل علمي، يعتمد على جمع  عدد كبير من النصوص، وإحصاء الكلمات الواردة فيها، وعدد مرات تكرار كل كلمة، حتى نحصل في النهاية على قائمة مرتّبة ترتيبًا تنازليًّا للكلمات الشائعة في اللغة.

ويؤرخ لأول قائمة في اللغة الإنجليزية بعام 1936، وهي القائمة المعروفة بقائمة Dolch  التي جمعها إدوارد ويليام دولج، ونشرها في مجلة في عام 1936، ثم أعاد نشرها في كتابه "مشاكل في القراءة" في عام 1948.

تضم قائمة Dolch  220 كلمة استخرجها Dolch  من كتب الأطفال، التي كانت معروفة في زمنه. والتي كان يرى أنّها يجب أن تُحفظ لكي تساعد الأطفال على القراءة بطلاقة وبسرعة.

ومنذ ذلك الوقت، والعمل مستمر على قوائم الكلمات الأكثر شيوعًا في اللغة الإنجليزية، وصار البحث في السنوات الماضية يعتمد على ما يسمى بعلم المدونات الحاسوبية، الذي يوظف إمكانات الحاسوب في بناء مدونات لغوية ضخمة تتجاوز ملايين الكلمات، يتم العمل على تحليلها على مستوى الكلمة والتركيب، والأسلوب.

وتعد مدوّنة أكسفورد للغة الإنجليزية هي الأضخم في وقتنا الحالي، فهي تضم ما يزيد على ملياريْ كلمة، من نصوص متعددة.

ماذا عن اللغة العربية؟

يعدّ العمل على مدوّنات للغة العربيّة حديثًا نسبيًّا، إذا قورن باللغات الأخرى؛ فهناك مدوّنة جامعة ليدز للقرآن الكريم، التي يمكن الاطلاع فيها على قائمة أكثر الكلمات تردّدًا في القرآن الكريم.

ومن المؤكد أنّ هناك مصادر مهمّة أنجزت في اللغة العربية لحصر الكلمات الأكثر تكرارًا في العربية، لكن هذه المصادر ما زالت تدور في دائرة الباحثين المتخصصين، والوقوف على قوائم الكلمات الأكثر استخدامًا في العربية ما زال غير متاح للجميع، كما أنّ هذه القوائم قد تختلف فيما بينها بناء على نوع النصوص التي اعتمدت عليها المدوّنة.

وقد أثّر هذا الوضع على خطط تطوير تعليم اللغة العربية؛ إذ يجد العاملون في هذا المجال صعوبة في الحصول على قوائم معتمدة من جهات علمية "للكلمات الشائعة في اللغة العربية"، لذلك يضطرون إلى الاعتماد على اجتهاداتهم الشخصية، أو على القوائم المتاحة، التي سدّت ثغرة في مجال تطوير تعليم العربية، لكنها ما تزال تفتقر إلى الأسس العلمية، والاشتراطات البحثية التي تتوافر في اللغات الأخرى. وعلى الرغم من وجود قواميس للكلمات الأكثر دورانًا في العربية عمل عليها باحثون منذ سنوات بعيدة، إلا أنها غير متوفرة، أو أنني لم أنجح في الوصول إليها رغم محاولاتي المتكررة.

إنّ اللغة العربيّة لم تحظَ بما حظيت به اللغات الأخرى من دعم علمي متكامل ومستمر على مدى عقود متتالية، ولذلك بقيت هناك مساحات كثيرة في مجال تعليم العربية فارغة تقريبًا، واللغة، إن لم تكن مخدومة علميًّا، ومدعومة مجتمعيًّا، لن تستطيع وحدها أن تقوم بتقريب نفسها للمتعلمين من أبنائها أو أبناء اللغات الأخرى. إنّ اللغة تسهل وتقترب بمقدار الجهود التي تُبذل في خدمتها، وبمقدار الصدق في طلبها وتعلمّها.

 

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى