اللغة ليست مجرد لسان

(خط وتصميم ساسان نسيرنيا)

 

لماذا يخاف بعض الناس على اللغة وكأنها طفل يمكن أن يضيع منهم، أو مادة قابلة للكسر أو الذوبان. هل اللغة كذلك؟

هل العربية في خطر؟ أم أهلها في خطر؟ أليس طبيعيًا أن نفرح حين يجيد أبناؤنا الحديث بلغات أخرى؟ أم علينا أن نتدثّر بدثار الخوف ونطلق أجراس الإنذار؟ إنَّ العالم لم يعد صغيرًا! وشئنا أم أبينا، فإنّ العولمة جعلت من العالم بحرًا تمتزج فيه الثقافات والشعوب، ولا يستطيع أحدٌ أن يتنبأ بأي حالٍ سيخرج من هذا البحر.

 

 

إن اللغة ليست شيئًا منفصلًا عن أبنائها. فحين يشعر المرء بتهديد للغته، فهو في الحقيقة يشعر بتهديد لوجوده وكيانه؛ فاللغة هي الخيط الذي يصله بالماضي (التراث)، ومرآة الحاضر التي يرى فيها نفسه أو يختار أن يعرض نفسه من خلالها، واللغة هي النافذة التي نطلّ منها على المستقبل. ومن أبشع الجرائم التي تُرتكب في حقّ اللغة وأهلها أن يُحصر دورها في الماضي والتراث، وكأنّ دورها قد انتهى في الحاضر، ولا أفق لها في المستقبل. هكذا يبدو المشهد اللغوي بكل أسف. فمن الذي يُقرر واقع اللغة ومستقبلها. أبناؤها أم أصحاب السلطة أم أهل الاختصاص؟

 

إن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة بنص الدستور. وهي لغة القانون والمعاملات الرسمية في المؤسسات الحكومية. لكن ما قيمة كلّ هذا إذا اختار أهلها ألا يستعملوها أو فضّلوا لغة أخرى عليها؟ أليست اللغة لسانًا، ومن حقّ الإنسان أن يختار لسانه؟ اللغة ليست مجرّد لسان. والحديث عن الاختيار شائكٌ ومُضَلّل. نعم، من حق الإنسان أن يختار لغته، كما يحق له أن يختار أشياء كثيرة في حياته. فهل فعلًا هو يختار؟ لو تأملنا قليلًا مساحة الاختيار على الصعيدين الاجتماعي والسياسي فقط لعرفنا أنه لا يملك الاختيار غالبًا أو أنه يختار في إطار ضيّق من اختيارات النظام والمجتمع، فكيف يختار من يعيش في جوّ من الإملاءات؟ والاختيار اللغوي يجب أن يكون في أرضٍ تتحقّق فيها العدالة والمساواة اللغوية وتكافؤ الفرص (الفهري. العدالة اللغوية). والاختيار قرين الحريّة، أي أن يجد المرء نفسه حرًّا في اختياره، لا مضطرًا إليه، لا بدوافع سوق العمل، ولا بالضغط الاجتماعي. إذًا لا يمكننا التحدث عن الاختيار اللغوي، حين تُربط اللغات -قصرًا- بمصالحَ ووضعياتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ معينة وتُسلب من أخرى. وهذا ما يحدث في أرض الواقع. فالأبناء والآباء يُوجَّهون لاختيار ما يعتقدون أنه مرتبط بالمصلحة وله آفاق في المستقبل.

 

وهل اللغة حقًا مجرّد لسان؟ اللغة لسان الإعلام، ولسان العلم، ولسان السوق، ولسان المجتمع، ولسان الثقافة. وهل تنفصل اللغة عن حمولاتها. ماذا يعني أن يختار الأطفال أو المراهقون أو الراشدون أن يتحدّثوا بلغة غير لغتهم بين بعضهم البعض، وفي حال عدم وجود غريب يجهل لسانهم الأصلي؟ هل يبدو الأمر مجرّد محادثة بالإنجليزية. يا ترى ما مضامين هذه المحادثات؟ إنها مضامين تتسلّل إليهم مع اللغة عبر فضاءات العالم الافتراضي، مُحَمَّلةً بثقافة الآخر وأفكاره ومعتقداته.

فما الحل؟

 

 

الحلّ ليس سحريًا، ولن يأتي من الخارج، بل هو شيء يجب أن يبدأ من الداخل، داخل كل فرد من أفراد المجتمع، بدءًا من القناعة باللغة والحاجة إليها، والالتزام تجاهها. إن الحلّ لا يمكن أن يتحقّق بتصحيح المناهج والدروس وتهيئة المعلمين، وإن كان هذا جزءًا من الحل، لكنّ بداية الحلّ تتمثّل في قناعات الأفراد وممارساتهم. لماذا يعتقد أيُّ أبٍ أو أمٍ أن أبناءهم سيُجيدون اللغة أو يحبّونها إن لم يكن هو كذلك أو يُحاول ذلك؟ والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا: أين اللغة في حياتنا اليومية؟ كم نسبة حضورها في تفاصيل يومنا؟ كم من الأسر والأفراد يهيّئون من أوقاتهم وأوقات أبنائهم أوقاتًا لحفظ كتاب الله ودراسته، وقراءة الكتب، أو مطالعة البرامج الوثائقية بالعربية، أو مشاهدة الأفلام والمسلسلات التاريخية أو المدبلجة بالعربية، أو أفلام الكرتون العربية للأطفال وغيرها من فرصٍ تُهيّء الاحتكاك بالعربية في تفاصيل حياتنا؟

 

إذا ماذا نتوقع؟هل اللغة كائن فضائي؟ أو معجزة تتحقّق بالدعوات والأمنيات؟  ليس أقتل على العربية من حصرها في الدروس والمناهج الدراسية. فالتعامل مع اللغة بوصفها مادة دراسية لها متطلّبات وتقييم يَحُدّ من قيمتها ويحصرها في جانب نفعيّ، بحيث تصير غاية أفق الآباء والطلاب أن يُحصّل فيها أبناؤهم الدرجات العليا، بجهودهم أو بجهود غيرهم، وأدناها ألا تؤثر درجاتهم فيها على مجموعهم. ولا يتردّد كثيرون من أبناء العربية في وصفها بأنها صعبة. وهل يقع ذلك لغير العربي أن يصف لغته (الأم) بأنها صعبة؟ لأنهم حين يتحدّثون عن العربية، يتحدّثون عن مادة العربية في المدرسة أو الجامعة بنحوها وصرفها وبلاغتها ونقدها وأدبها ومعلّمها، ولا يتحدّثون عن لسانهم الذي يُمثّل تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم.

 

التعليقات (1)

  • المقال جمع كل التساولات والأمور التي كنت اتعجبها واستنكرها من المحيطين حولنا في المجتمع ليس لأي أسباب سوى حبي وأعجابي باللغة العربية وفقكم الله

    مريم البلوشي

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى