حبل سكاربورو .. قارب القراءة الذي ينساب بقوّة إلى الأمام

كنت وما زلت أعجب كثيرًا بمنظر القوارب، في سباق التجديف، وهي تندفع منسابة إلى الأمام بقوّة تستمدّها من سواعد المجدّفين. التناغم والتوافق بين المجدّفين هو الذي كان يبهرني حقًّا، وأظل أتابع حركتهم وهي تدفع القوارب بقوّة ونعومة، مما يجعلهم متعة للنظر، ومسرّة للناظرين. وكنت أقول بيني وبين نفسي إنّ هذا التناغم بينهم يشبه التناغم بين أعضاء فرقة موسيقية، إنّه عزف تسمعه العيون.

وحين قرأت أول مرّة عن حبل سكاربورو للقراءة، تذكرت منظر المجدّفين في سباق القوارب، وتخيلت سيناريوهات متعددة تصوّر واقع القراءة منعكسًا في سباق القوارب، وتساءلت: لو أنّ أحد هؤلاء المجدّفين، كان ضعيف الساعد، أو غير متوافق مع زملائه في عملية التجديف، أو لو أنّ أحدهم لم يحضر السباق، وبقي مكانه خاليًا، أو ناب عنه من لم يحظ بتدريب جيّد، ولم يؤهّل تأهيلًا قويًّا، ماذا سيحدث للقارب؟ ولك أن تتخيّل لو أنّ اثنين أو ثلاثة من المجدفين لم يحضروا، أو لو أنّهم لم يتدربوا جيدًا، ولم يمتلكوا القوّة البدنية التي تؤهلهم للتجديف لدفع القارب دفعات قوية إلى الأمام، ماذا سيحدث حينها؟ هل يمكن أن تتخيل الوضع؟ ولو أنّك خُيّرتَ بين قاربين، الأول يقوده مجدّفون محترفون أقوياء، متوافقون متفاهمون، والثاني يقوده مجدّفون يعاني بعضهم من ضعف بدني أو معنوي، فأي القاربين ستختار؟ لكن ما علاقة حبل سكاربورو بقوارب التجديف أو فرق الأوركسترا الموسيقية؟ وما هو حبل سكاربورو على كل حال؟

الدكتورة هوليس سكاربورو، مبتكرة حبل القراءة، هي أستاذة متخصصة في علم النفس وتطوير القراءة،  وتعمل في مختبرات هاسكينز، وهي، كذلك، باحثة رائدة في تطوير اللغة المبكرة عند الأطفال، وعلاقة اللغة المبكرة بتعليم القراءة والكتابة لاحقًا. عملت محررًا مشاركًا في حوليّة مجلة "عسر القراءة" (الديسليسكيا)، وهي عضو في الجمعية الدولية لعسر القراءة (IDA). حصلت في عام 2009 على أعلى وسام في هذه الجمعية. أما حبل القراءة الذي ابتكرته فيعود تاريخه إلى المحاضرات التي كانت تلقيها على أولياء الأمور والمعلمين، لتشرح لهم التعقيدات التي ينطوي عليها تعلم القراءة، ولتوضح لهم عمليات القراءة المتداخلة التي تحدث متزامنةً في وقت واحد أثناء القراءة، حين يصبح المرء قارئًا ماهرًا.

حبلان يكوّنان حبلَ القراءة الكبير

ينقسم حبل سكاربورو إلى قسمين: يصوّر الجزء السفلي منه مهارات القراءة الأساسية التي تمثّل الجانب الآلي في عملية القراءة المرتبط بتمييز الكلمات، ويشمل مهارات: الوعي الصوتي، والتهجئة، وتمييز الكلمات البصرية.  وهذه المهارات تحتاج إلى تعلّم وممارسة مستمرة، وتدريب ممنهج، وعندما يصل المتعلم إلى مستوى الإجادة فيها فإنّه يحقق معيار الدقة والتلقائية والطلاقة في القراءة. أما الجزء العلوي فيمثّل فهم اللغة، وهو مرتبط باكتساب اللغة في المراحل المبكرة منذ بدء تلقّيها  في البيت، ثم بتعلّمها لاحقًا في المدرسة، وهو الذي يؤثر مباشرة في الفهم القرائي، في حال وصل القارئ إلى مستوى الإجادة في مستوى تمييز الكلمات، ويشمل:  المعرفة السابقة، والمفردات، وبنية اللغة، والاستدلال اللفظي، والمعرفة بالأدب.  ومع قدر كبير من الممارسة والتعليم الواضح الممنهج يتم نسج خيوط كل جزء من الحبل، ثم نسج الجزءين معًا، فيتكون حبل القراءة متينًا متماسكًا، وتكون النتيجة قارئًا ماهرًا متمكنّا.

 

التغيير الذي أحدثه حبل سكاربورو

إنّ التغيير الجذريّ الذي أحدثه حبل سكاربورو للقراءة على مدى السنوات الماضية هو تصحيح الفهم حول مهارة القراءة، وأنّ هذه المهارات الفرعيّة التي يصوّرها الحبل، لا ينبغي أن تدرّس بالترتيب، منعزلة وحدها عن باقي المهارات. تقول إحدى معلمات القراءة في مادّة اللغة الإنجليزية، وهي تصوّر كيف صحّح هذا الشكل البصريّ فهمها لمهارة القراءة، "كان منظوري لتعليم القراءة والكتابة، كما كان منظور الكثيرين من زملائي، غير صحيح؛ إذ لا ينبغي أن ننظر إلى الفروع المذكورة أعلاه على أنها درجات سلّم حيث يصعد المرء، أو "يتقن" خطوة واحدة في كل مرّة، لأنّ تعلم القراءة ليس أمرًا طبيعيًّا، ويستغرق سنوات من الممارسة، فلا ينبغي تدريس المهارات المذكورة أعلاه بمعزل عن غيرها، أو ككيانات منفصلة، بل يجب تعليم هذه الخيوط الفردية الموجودة في حبل سكاربورو بشكل متزامن". وهذا هو التحدّي الحقيقيّ الذي يواجه معلمي القراءة، لأنهم في معظم الأحيان، يركزون على مهارة بعينها، ويغفلون باقي المهارات، ولأنهم لم يتدربوا على الجمع بين هذه المهارات في التدريس، بشكل واضح وفاعل وجاذب للأطفال.

الجزء الخاص بفهم اللغة في حبل سكاربورو

ولكنّ أهمّ ما لفت نظري في هذا التوضيح البصري المفصّل لمهارة القراءة هو الجزء العلوي، وأرجو ألا يُفهم من كلامي أنني أقلّل من أهمية الجزء السفلي المرتبط بتمييز الكلمات، ولكني أرى أنّ هذا التصوّر لفعل القراءة، يوضّح توضيحًا قاطعًا أنّ مرحلة اكتساب اللغة في شكلها الطبيعي التلقائي يشكّل رصيدًا مهمًّا وأساسيًّا في تعلم اللغة لاحقًا؛ فمهارات الفهم اللغوي التي يتكوّن منها الجزء العلوي من حبل سكاربورو تبدأ مع الطفل منذ بدء تلقّيه اللغة، ولذلك فهي تعتمد بدرجة كبيرة في سنوات الطفل الأولى على البيت بالدرجة الأولى، وعلى خبرات الطفل في محيطه الأول.

  • المعرفة السابقة، أو الخلفية المعرفية

فالمعرفة السابقة، أو الخلفية المعرفيّة التي يؤسس لها البيت بالطرق المختلفة (ألعاب، حوارات، أناشيد، رحلات، قراءة قصص، مشاهدات متنوّعة، تجارب..) هذه كلّها تبني اللبنات الأولى من المعرفة السابقة التي ستساعد الطفل على فهم ما يقرأ انطلاقًا من تجاربه الشخصية، وخبراته البسيطة، التي ستتوسّع وتكبر مع الزمن.

  • المفردات

وكذلك رصيد الطفل من المفردات يبدأ منذ سنواته الأولى، وهو في البيت مع ذويه وإخوته وعائلته الممتدة، وكلما كانت هذه المفردات غنية متنوّعة، وتغطي مساحات كبيرة من الاستعمال رفع هذا من فرصته في تعلم القراءة. وتبرز هنا إشكاليّة ما اللغة التي يتلقّاها الطفل في البيت، وفي محيطه الأول؟ وما المفردات التي يُغمَرُ في بحرها؟ هل هي اللغة الإنجليزية؟ أم اللهجة العاميّة؟ وما حظّ العربية من كل هذا؟ ولو تأملنا الواقع من زاوية أخرى، وتخيّلنا معجمًا صغيرًا لهذه التنويعات اللغوية، فأيّ معجم من هذه المعاجم الثلاثة سيكون أفقرها حظًّا وأقلها عددًا؟ ولن أفتح الآن الباب على موضوع العامية والفصيحة، وما يُتداول بين الكثيرين، من أنّ العامية ابنة العربية، والمشترك بينهما أكثر من المختلف، وهذا الكلام، إنْ كان صحيحًا في عمومه، فإنه يحتاج إلى تأمل في النتائج التي يؤدي إليها. لأنّنا لم نعط هذا الحقل حقّه من الدراسة، لنعرف أين تلتقي العامية بالفصيحة، وأن تفترق عنها، ومتى تكون العامية رافدًا للفصيحة، ومتى تكون منافسًا لها.  القصد أنّ غنى المعجم وتنوّع المفردات التي يتعرض لها الطفل قبل سنّ المدرسة، وبعد دخوله للمدرسة يلعب دورًا عظيمًا في تكوينه القرائي العميق، وهذا لا يتأتى إلا في بيئة لغوية داعمة للحوارات والأحاديث اليومية بشكل حيويّ إيجابيّ محبّب، وبيئة واعية على وضع العربية في خضمٍ بحر متماوج من العاميات والإنجليزية.

  • بنية اللغة

وما يقال عن المفردات يقال كذلك عن بنية اللغة، على المستويات الصرفية والنحوية والدلالية، وإذا كانت العاميات تقترب من الفصيحة في مستوى المفردات، فإنها في هذا المستوى قد تبتعد عنها، فما يكتسبه الطفل ويستقر في وعيه اللغوي من بنى تركيبية، وتنويعات في اشتقاقات الكلمات، واختلافات في الدلائل والمعاني، هو ما يتلقّاه بشكل طبيعي في البيت. فهناك بنية لغوية تتشكل في ذهنه، ويعتمد عليها، من دون أن يعي ذلك، في فهمه وإنتاجه للكلام، ولذلك نراه بعد فترة قصيرة ينطلق في الكلام، وينتج عددًا لا نهائيًّا من الجمل لم يكن قد استمع إليها من قبل، لكنه صار قادرًا على ذلك بسبب ما تكوّن لديه من قوانين لغوية مجردة يبني عليها جمله وعباراته، ويفهم بها ما يسمعه من كلام قد يقصر أو يطول.

وهكذا يأتي الطفل إلى المدرسة وهو يحمل في رأسه معجمًا وقواعد وقوانين يعتمد عليها في فهم ما يفهم، وفي إنتاج ما ينتج من جمل يتواصل بها مع الآخرين. والسؤال الذي يبرز هنا مرّة أخرى، ما اللغة التي ترسخّت في لا وعيه، وصارت هي المعين الذي يلجأ إليه لفهم ما يتلقاه، ولإنتاج ما ينتجه من كلام؟ في اللغات الأخرى يأتي الطفل إلى المدرسة وهو يحمل في رأسه بناء لغويًّا، غنيًّا أو فقيرًا، يتطابق مع اللغة التي سيتعلمها، ويتعلم بها. لكنّ طفل العربية يأتي إلى المدرسة والبناء اللغوي الذي تشكّل في رأسه، في سنوات عمره الأولى، غنيًّا كان أو فقيرًا، لا يتطابق مع اللغة التي سيتعلمها ويتعلم بها. وهنا تقع المفارقة التي تجعل الأمر بالنسبة للعربية أصعب وأشق.

  • الاستدلال اللفظي

ولعلّ الحديث عن مهارة الاستدلال اللفظي، والقدر على فهم المعانى المضمّنة، والوصول إلى المقاصد غير المصرّح بها مباشرة في الكلام، تفتح أمامنا الباب لمناقشة ما يستطيع الأطفال الصغار أن يستوعبوه من اللغة، وهل استعمال المجاز والجمل الاستعارية، والمقاصد المضمّنة تقع في مجال قدرتهم على الفهم؟ وإلى أيّ مدى؟ والذي يحدث أنّ كثيرين يطالبون أن تكون اللغة الموجّهة للطفل بسيطة، مباشرة، واضحة، حتى نساعده على تطوير مهاراته شيئًا فشيئًا، وأنّ الوقت المناسب لتعريض الطفل لنماذج عالية من الجمل تتضمن استعارات أو طبقات من المعنى يكون بعد سنوات من التعليم، في الصف الرابع ربما. هذا كلام سمعته كثيرًا، وكلما سمعته تذكرت قصص الغابة الخضراء التي كنت أقرؤها وأنا صغيرة، والتي أظنّ أنها كانت تشتمل على تشبيهات واستعارات كثيرة غنية. وصرت من بعد هذه المناقشات أدقق في لغة الأطفال، وأتأملها، ووجدت أنّهم في لغتهم البسيطة يستخدمون التشبيه وأحيانًا الاستعارة، ويتحدثون ويعبرون عن أفكارهم بتلقائية وببساطة. ولا أنسى أبدًا حين قرأت، منذ سنوات، كتابًا لتدريب الأطفال على مهارة  الكتابة، ألفته معلمة للغة الإنجليزية، وبدأته بتقديم نماذج لكتابات طلبتها كان من بينها نص قصير من بضع كلمات لطالبة في الصف الثاني تصف فيه الضباب، ما زلت حتى اليوم، أتذكر اندهاشي وعدم تصديقي أن يكون هذا النص المكثّف من تأليف طفلة في الصف الثاني، لا يحضرني النص كاملًا الآن، رغم قصره، لكني أذكر منه قولها "لا يمكن لك أن تعرف متى يأتي الضباب، إنه يتسلل أثناء نومك، ويلعب لعبة الغميضة حول البنايات، ويمد أصابعه الطويلة فوق الشوارع، ويلفّ العالم كله بدثار رماديّ". ليس القصد أنْ نقدّم للصغار لغة صعبة معقّدة، لكنّ القصد أنّ المجاز والاستعارة هو جزء جوهري من التفكير واللغة، وتعويد الصغار على أن يسمعوا ويستخدموا هذه الأنماط من التراكيب اللغوية له أثر عجيب على تفاعلهم مع اللغة، وتطوير فهمهم لمعانيها المباشرة وغير المباشرة.

قد أكون أطلت الكلام في بعض المهارات الفرعية التي يصوّرها حبل سكاربورو، ولكني فعلت ذلك لأني أشعر بأنّ هذه الفروع لا يسلّط عليها الضوء كثيرًا فيما يتعلق بتعليم وتعلم القراءة في اللغة العربية. وأعود، قبل أن أختم مقالي هذا، إلى سباق التجديف؛ فكل مهارة من مهارات حبل سكاربورو، هي في نظري مجدّف من مجدّفي القارب، وأيّ ضعف يشوب أيّ مهارة سينتج عنه، بلا شك، ضعف في المهارة الكلية المتحصّلة من مجموع المهارات الفرعية، تمامًا كما يصيب القارب  بطء أو اضطراب بسبب ضعف أو قلة مهارة أحد مجدّفيه.

نحتاج، أحيانًا،  إلى أنّ نستعير تصورًا أو مشهدًا من مجال بعيد عن مجالنا لكي نوقظ إحساسنا به، ولكي ننظر إليه، وكأننا نراه للمرة الأولى. ما زلت أحلم أن نصل في تعليم القراءة للصغار إلى النقطة التي يشتد فيها الحبل، ويقوى، وتصير كل خيوطه محبوكة متماسكة، أو إلى اللحظة التي ينطلق فيها قارب قراءتهم منسابًا مندفعًا إلى الأمام بلا توقف ولا انحراف.

 

 

3 comments

  • مقال رائد وكعادتها الدكتورة لطيفة تلامس النقاط التركيز التي نحتاجها جميعا، يحتاجها الوالدان، والمعلمون، والتربويون من أجل التحسين المستمر لإنجاز الطلبة. سررت بقراءة هذا المقال، وحقيقة لم تكن لدي معرفة عميقة مسبقا حول حبل سكاربورو، وفتح لي المقال الأفق لمعرفة المزيد من الفهم في تدريس القراءة. شكرا دار أشجار على كل ما تقدمونه للقارئ العربي.

    مريم الزيودي
  • مقال أكثر من رائع، متعة عقلية حقيقية
    بارك الله في وعيك المتقد د. لطيفة

    أمل فرح
  • قلة من متخصصي التأليف في تعليم اللغة العربية وتعلمها،
    وفي إعداد المناهج المدرسية يدركون هذه الأبعاد فضلا عن تمثلها حين يؤلفون الكتب المدرسية. وإن عرفناها فالتحديات كثيرة ومتنوعة؛ فالمعلم غائب عن هذه المعرفة، ولو قدمت له لا يستطيع تطبيقها مع الطلبة، والأهل كل منهم منشغل بعمله وبرامجه التواصلية مع المجتمع الخارجي.
    اما انت دكتورة لطيفة فقد بذلت الوسع والجهد الجبار في أن توصلي دور اللغة في صنع الحضارة والرقي عبر النص ذي الحمولات التي من شأنها تشكيل عقلية المفكر المبتكر منذ المراحل المبكرة. جهدك وتعبك لا بد من أن يثمر ولو بعد حين.

    دكتورة فريال هديب

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى