لا تصطنع المعاذير

 

 

(مقال من كتاب: أكثر 38 خطأ في الكتابة القصصية -وكيف يمكن تحاشيها- تأليف جاك م. بيكهام وترجمة صدقي عبدالله حطاب)

 

يجد رسامو الكاريكاتير في الكتّاب مادة محببة لديهم ابتداءً برسوم شارلز شولتز الشهيرة Peanuts إلى من ينشرون في صحيفة The New Yorker. (إنك لا تقدر على أن تلومهم على نقدهم المستمر للكتّاب فنحن معشر غريبو الأطوار). وقد جمعت عبر السنين وبشكل عشوائي مثل هذه الرسوم، وقد أُلصق على باب مكتبي بعض الأثير منها لديّ.

وفي واحد من هذه الرسوم يقول واحد لا علاقة له بالكتابة لروائي من الدرجة الثالثة في حفل توقيع أوتوغراف "عجبًا أنا أستطيع أن أكتب رواية، ولكنني لا أجد الوقت لذلك".

ويظهر آخر في لوحتين كتب عنوان لهما "دارة* الكاتب" ونرى في اللوحة الأولى الكاتب يقف مسترخيًا في مكتبه، وقد كتب على اللوحة الثانية كلمة "مؤقت". ويقف في اللوحة الثانية الكاتب سابقًا في مدخل مخزن للأسماك يمتلكه، وتحمل اللوحة الثانية عنوانًا هو "دائم".

وفي رسم كاريكاتوري ثالث نرى كاتبًا أمام آلة الطابعة وهو يقول لزوجته "لا أستطيع أن أبدأ حتى يوافيني الإلهام". وفي الرسم الرابع نرى الكاتب في نفس الوضع... لم يفعل شيئًا -وغدا أكبر سنًا... وأكبر... وأكبر.

ولا أدري كم هذه الرسوم تبدو لي مضحكة حقًا، ولكنني أحبّها لأنها تصور الطبيعة الأولى لكل الكتّاب والأدعياء. وتزدحم الدنيا بالذين من حقهم أن يكسبوا عيشهم ككتّاب. ومن فضل الله علينا نحن الذين نعمل ولا نحتاج لمنافسين أن معظم هؤلاء الموهوبين يبددون طاقاتهم الإبداعية في اصطناع الأعذار، لا ينصرفون للعمل الذي بين أيديهم.

إذا كنت جادًا في حرفة كتابة القصة فلا تخترع لنفسك أعذارًا أبدًا، إذ لن تستطيع أن تسمح لنفسك:

  • أن تقول إنك متعب جدًا.
  • أن تؤجل العمل لوقت "لاحق".
  • ألا تستطيع أن تعمل لأنك مشغول جدًا في الوقت الحاضر.
  • أن تنتظر حتى يأتيك الإلهام.
  • أن تخطط للقيام بالعمل "غدًا".
  • أن تتوقف عن العمل لأن (المحررين) و(الوكلاء) و(القراء) و(النقاد) ظالمون. (أضف ما شئت إلى هؤلاء).
  • أن تقول لنفسك إنك لا تستطيع أن تبدأ في العمل وأنت قد بلغت من العمر عتيًا أو مازلت فتى غِرًّا.
  • أن تلوم بعض أفراد أسرتك الذين شغلوا وقت فراغك.
  • أن تقول أن وظيفتك تستنزف وقتك فلا تستطيع أن تقوم بأي نشاط آخر.
  • أن تقول لنفسك بأن فكرة قصتك هي دون المستوى.

أو أي من قائمة الأعذار الطويلة التي يمكن أن تخطر ببالك.

لا، دعونا نقولها بصراحة: إن الكتّاب يكتبون وغيرهم يصطنعون الأعذار.

يجب أن لا تسمح لأمر أن يحول بينك وبين عملك المعتاد ككاتب قصة إذا كان أدنى من مأساة حقيقية في حياتك الخاصة. أتظنون حقًا أن الكتّاب الناجحين لديهم وقت غير محدود، وليست عليهم مسؤوليات أخرى وأنهم يتدفقون دائمًا حيوية وحماسًا لعزف ما يطلب منهم؟ إن هذا غير صحيح. إن الكتابة يمكن أن تكون متعة مسلية كبرى ومجزية بشكل كبير. ولكن الكتابة عمل شاق.

 

دعوني أكرر ما قلته:

إن الكتابة عمل شاق.

 

لا يوجد إنسان يستمتع حقًا بالعمل الشاق يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع. فكل إنسان يحتاج أحيانًا إلى إجازة وأن يلهو أو أن يسترخي. وعندما يتسرب الخراب إلى المشروع مثل الرواية فإن الكاتب يجب ألا يرى ما طبعه في ذلك اليوم أبدًا. وفي مثل هذه الظروف تتدفق الأعذار بسهولة، ولكن الكاتب المحترف لا يستسلم بسهولة. فهو لابدّ أن يتصدى لكل الأعذار وكل الشكاوى ولجميع بدائل العمل، فالكاتب الحقيقي سيستمر في العمل وبانتظام.

تصوّر لو أنك تكتب صفحة في كل يوم فإنه بعد عام ستكون لديك رواية تبلغ صفحاتها ٣٦٥ صفحة. وعد إلى إعادة كتابتها في العام التالي وعلى نفس الوتيرة ستصل إلى رواية تامة تستطيع أن تعرضها للطبع على وكيل أو محرر، ويكاد هذا العمل يعادل إنتاج كثيرين من الروائيين الرائجة أعمالهم.

ومن ناحية أخرى لو أنك أنفقت نصف وقتك في اصطناع الأعذار فإنك في أحسن الأحوال ستنتهي بإصدار كتاب بعد أربع سنوات. وهذا أمد بعيد.

ولو أنك اصطنعت الأعذار لنفسك خلال ثلاثة أرباع المدة فإن من المحتمل أن تفقد كثيرًا من تلك القوة الدافعة إلى الحد الذي لن تستطيع معه إتمام مشروعك أبدًا.

إن أسلوب الاحتراف هو في العمل المستمر والمتواصل بل والمتشبث يومًا إثر يوم. فإن حدث ورفضت قصتك في نهاية حقبة طويلة من العمل الدؤوب فإنك لا تستطيع أن تتخذ هذا الرفض سببًا لترك الإنتاج أيضًا. إن جميع الكتّاب ينتجون بعض الأعمال الكاسدة. وجميع الكتّاب يصادفون تثبيطًا ويشعرون بالتعب والإنهاك. ولا يقدم الجيدون منهم أعذرًا، وإنما يستمرون في كتابتهم.

دعني أقترح عليك أداة بسيطة قد تساعدك على تحاشي الوقوع في شرك اصطناع المعاذير. اذهب وابحث عن تقويم سنوي على ورقة كل يوم منه توجد مساحة صغيرة بيضاء. اكتب في نهاية كل يوم في تلك المساحة شيئين؛ الأول عدد الساعات التي قضيتها على آلة الطباعة وأنت مشغول بمشروعك الروائي.

والثاني عدد الصفحات التي أنجزتها في عمل ذلك اليوم. (وسيّان أكانت مسوّدة أم نهائية). وفي الأيام التي ليس لديك فيها عمل تلتزم فيه اطبع صفحة بمساحة مضاعفة بين السطرين اكتب فيها أعذارك وأرّخها بدقة، وضعها في ملف خاص.

احرص على أن تملأ أعذارك صفحة على الأقل أي نحو ٢٥٠ كلمة. اعمل هذا دائمًا في كل مرة لا تعمل فيها.

وأنا أضمن لك شيئًا واحدًا: إذا اتبعت هذا النظام بصرامة فإنك ستصل إلى مرحلة تشمئز فيها من كتابة أعذارك الواهية، وإنك إما أن تعود لاستثمار وقتك في كتابة أكثر إبداعًا وإما أن تهجرها.

وفي الحالتين ستتوقف عن السخرية من نفسك.

ليس هناك اعتذار جامع مانع. تذكر ذلك الشاب الذي ذكرته لك في المقدمة**. كان أعمى وأصم ومع ذلك كان يكتب كل يوم. وأنت -إذا كنت تريد حقًا أن تنجح- لن تفعل أقل منه.

 

 

------------------------------------------------------------

 *دارة: منزل حلّ به ساكنوه، دار صغيرة.
**من مقدمة الكتاب: "أظن أنني قد صادفت في عملي لأكثر من عشرين سنة في جامعة أوكلاهوما في تدريس مساقات للكتابة الحرفية ما يمكن أن يصادفه أي كاتب طموح. (كان عندي طالب مصاب بالعمى والطرش. وكان بحاجة إلى رفيق في الصف ليضرب بأصابعه على يد هذا الطالب ليتهجّى كلماتي). ولكن المشكلة الأكثر شيوعًا وتعجيزًا للطلاب على مدى السنين كانت في الاتجاه نحو كتابة نص جامد يفتقر إلى الحراك إلى الأمام. وثاني المشكلات الأكثر شيوعًا هي عادة الالتفات إلى الخلف -إلى أخطاء وسقطات سابقة أو إلى قلق حول الجزء الذي كتب من القصة- بدلًا من التطلع قدمًا حيث جميع الإمكانات... وجميع التحديات... وكل إثارة وانتصار... يجب أن تكون".

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى