التربية بالقصص!

 

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ..} سورة يوسف (آية 3) - القرآن الكريم

في كثير من لحظات التحليل والتأمل، أتوقف عند اعتماد القرآن الكريم أسلوب القَصص، الذي أراه دليلًا قاطعًا على أهمية القصة في ترويض النفس البشرية، وإيقاظ مكامن الفضول المعرفي في أعماقها، وتهيئتها لتلقي واستيعاب الدروس والعبر في سياق من التشويق الهادف إن جاز التعبير. وكثيرًا ما يلفتني عند سؤال الأصحاب عن أحب السور القرآنية إلى قلوبهم، بديهية معظم الردود "سورتا مريم ويوسف"، فالمسلم أو المطلع على القرآن الكريم عمومًا يدرك أن هاتين السورتين تسردان قصصًا مكتملة العناصر من حيث الوقائع والشخوص والزمان والمكان. والقَصص القرآني لم يقتصر على أخبار الأمم الغابرة وقصص الأنبياء، بل شمل الحيوانات، مثل "نملة سليمان" و"حوت يونس" و"ناقة صالح" و"فيل أبرهة" و"غراب ابني آدم" وغيرها من المخلوقات.

يؤكد الروائي الشهير باولو كويلو "أن القصص إحدى أقدم الطرق التي اعتمدها الإنسان لنقل معرفة جيله"، وحين نتأمل هذه المقولة بروية، نجد من المنصف الاعتراف بأنه لولا القصص لضاع الكثير من موروثنا الثقافي، وامّحت آلاف الصفحات من سجلات تاريخنا البشري، ولولاها لما أتيحت لنا الاستفادة من عِبَر الماضي، أو نقل الكثير من خبراتنا لأجيال المستقبل. وإذا ذهبنا إلى أبعد من ذلك فسنجد أن قصص جول فيرن في الخيال العلمي سبقت الكثير من الاختراعات في مجالها، وكأنما في كثير من الأحيان كانت القصص منارة في دروب العلم، كما يصحّ العكس أيضًا!

اخترت هذا المدخل عن أثر القصص في حياة الإنسان، لأتوقف مع قارئي على عمق هذا النوع الأدبي، الذي أراه من أهم الوسائل التي يجب أن يتمسك بها الوالدان في تربية أطفالهما قبل أي مصدر تربوي آخر.

 الحديث عن إستراتيجيات تربوية من منطلق الدراسة أو التحليل أمر عظيم بلا شك، لكنه أعظم حين يقترن بالتجربة، وهذا ما أدركته عندما أصبحت أمًّا، حيث لم تعد أيٌّ من الكتب التي قرأتها عن التربية دليلًا كافيًا لي بقدر ما كان أطفالي يفتحون بصيرتي لكيفية التعامل معهم.

أتذكر، في إحدى المرات أثناء عودتنا من حفل زواج، كيف قام طفلي بعدّ الأشخاص الموجودين في السيارة، ثم قال "جميعنا هنا، كي لا يحصل لنا كما حصل لعمّي في طفولته" وهنا أشير إلى قصة عن حادثة واقعية في طفولة زوجي كان قد قصّها على أطفالنا، وحكى فيها عن ذهابه وإخوته إلى حفل زواج، وخلال العودة انقسم أفراد العائلة الكبيرة في سيارتين، وبقي الطفل الأصغر في مكان الحفل، حيث ظنّت كل مجموعة أنه في السيارة الأخرى!

 فكرت كثيرًا في عدد المرات التي نبهت فيها طفلي إلى ضرورة التزامه بأن يكون معنا حين نغادر أي مكان، كل ذلك لم يرسخ في رأسه كما فعلت القصة التي توافرت فيها طريقة السرد الممتعة، الذكريات التي تتعلق بوالده، المرح والتشويق. وأدركت حينها إلى أي مدى يمكن للقصص أن تحدث فرقا في التربية.. من هنا بدأنا في العائلة إستراتيجية تربوية جديدة تعتمد القصص.

مع الوقت، ومن خلال القراءة اليومية لأطفالي على مدى عشر سنوات منذ أن كانوا أجنّة، أيقنت أن القصص ليست أداة تثقيفية فقط، أو مادة تسلية، بل هي وسيلة لترسيخ المعتقدات، وبناء الفضائل، واستعراض الخيارات والحلول، وإثراء المخزون اللغوي لدى الطفل. كما تتيح القصة للطفل فرصة فهم كيفية تفكير الآخرين وتوسع آفاقه من خلال التواصل الذهني مع تجارب مختلفة عن التي يعرفها ويعيشها، وبالتالي فإنها تؤثر في الطريقة التي ينظر بها الطفل إلى الواقع، فهي توفر له عنصرًا توجيهيًا مقنعًا أكثر من النصح المباشر، وفيها جميع العناصر المهمة التي تحرك فضوله، حيث توفر الشخصيات صوتًا بديلًا لصوته، فيما تترك القصة -المقروءة له تحديدًا- فرصة تخيل المشهد ومن هنا تبدأ أهمية قصص ما قبل النوم التي يدير دفتها الأهل ويبحر من خلالها الطفل، فتوقظ بداخله ملكة التحليل، وابتكار المشهد في مخيلته لربطه مع الحدث الذي تسرده القصة، فيكبر وتكبر قدرته على فتح أبواب التأويل والتصوير والخيال.

 يرى كثير من خبراء النفس أن فترة ما قبل النوم هي أكثر فترة يمكن أن تبني ثقة الطفل بمحيطه وتمنحه الأمان، إذ يكون تركيز الوالدين على الطفل وحده، كما يسمح القرب الجسدي بين الطفل وأمه أو أبيه بمنحه شعور الأمان والاحتواء، وهذه الفترة هي من أكثر الفترات التي يمكن أن يعترف فيها الطفل لوالديه بما يشغله، وفيها يسهل طمأنته وتوجيه سلوكه.. في هذه الفترة القصيرة، المهمة والجوهرية في حياة الطفل يمكن للوالدين بناء داخله. وتساعد مهاراتاهما في الاستفادة من تقنيات السرد التشويقية على تمرير معلومة أو التلميح إلى تصرف خاطئ، والإيحاء ببعض الحلول الممكنة دون تقديمها بشكل جاهز، لأن كل ما يسمعه الطفل سيساعد على تنمية ذكائه العاطفي، وخياله وقدرته على تكوين فكر نشط قادر على ابتكار الأفكار والحلول.

اعتُمدتْ القصص كإستراتيجية تربوية في العديد من الدول الأجنبية، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة سباقة عربيًا في ترطيب المناهج العربية الدراسية وكسر جمودها بالقصص الحديثة والممتعة. ومع هذا التحوّل المبهج في العملية التعليمية، والثورة الإيجابية التي رافقته على صعيد انتشار دور النشر الخاصة بكتب الأطفال، التي تعمل بدورها على تعزيز دور القصص في العملية التربوية، ظلّت خطط وبرامج توعية الأهل متواضعة، ولم تنل اهتمام الجهات المعنية والمؤسسات المجتمعية التي لا يبدو أنها تؤمن حقًا بأهمية القصة في التقويم والبناء، أو لا ترى الحكايات بوصفها دليلًا مبسطًا يساعد الطفل على فهم واقعه ونفسه بشكل أوسع وأعمق.

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى