نظرة عامّة في تاريخ أدب الأطفال

(اقتصرت في هذا المقال على محطات سريعة في تاريخ أدب الأطفال في الغرب، وكنت أود أن أكتب عن تاريخ أدب الأطفال في عالمنا العربي، لكنّ قلة المصادر وضيق الوقت لم يسعفاني. ربما أكتب في المستقبل مقالًا خاصًّا حول ذلك إذا كنت محظوظة وحصلت على مصادر تمدني بمعلومات واضحة وموثوقة)

كثيرًا ما تجذبنا كتب الأطفال المصوّرة وغير المصوّرة وهي مرتّبة بطريقة فنيّة في واجهات المكتبات، أو على أرفف أجنحة دور النشر في معارض الكتب، فنبدأ نقلّب صفحاتها، ونتأمل لوحاتها، وقد يأسرنا أحيانًا كتابٌ فنقع تحت سحره، حتى قبل أن يصل إلى أيدي أطفالنا الصغار. لكن هل كانت كتب الأطفال دائمًا بهذا الشكل؟ ربما تساءل الكثيرون عن البدايات الأولى لأدب الأطفال، متى وكيف ظهر هذا الأدب؟ وما العوامل التي ساعدت على نموّه ونضجه؟ وأين كانت هذه البدايات بالضبط؟ وكيف سارت في منعطفات التاريخ والزمن؟ لا شكّ أنّ الكتابة في تاريخ أدب الأطفال لا يسعها مقال قصير في مدوّنة؛ إذ لا يمكن لمثل هذا المقال أن يغطي كل المراحل التي مرّ بها أدب الأطفال، منذ بداياته الأولى إلى الآن. ولكنه سيقدم خطوطًا عريضة وإشارات سريعة لأهم المحطات التي شكّلت منعطفات حاسمة في تاريخ أدب الأطفال في الغرب.

ليس سهلاً أن نسجل نقطة البدايات الأولى لأدب الأطفال، خاصة وأنّ هذه البدايات، كما توضح المصادر، كانت مرتبطة بالحكايات الشفوية التي كانت تحكى في أوقات تجمّع أفراد العائلة في المساءات والليالي، لكنّ الشيء المهم الذي نحتاج أن نلفت النظر إليه هو أنّ هذه الحكايات لم تكن موجهة للأطفال بشكل خاص، بل هي حكايات يرويها الكبار للكبار، في الغالب، ويحضرها الأطفال فيستمعون إليها، ويتأثرون بها.

وحين بدأت تظهر الأشكال الأولى من الكتب لم يكن للأطفال حظٌّ واضح فيها؛ فقد كانت المجتمعات الأوروبية، قبل عصر النهضة، تنظر إلى الأطفال على أنهم "بالغون صغار"، لم يكن دورهم في شؤون الحياة أقل أهمية من دور الأم والأب، لذلك لم تكن هناك أشكال منفصلة للترفيه خاصة بالأطفال.

ولذلك كانت الكتب التي يقرؤها الأطفال في ذلك الوقت كتبًا تعليمية بالدرجة الأولى، تعلم الهجاء والنحو، أو كتبًا كتبت للكبار. وقد كان يسيطر على الآباء والأمهات والمعلمين الشعور بأنّ الأطفال يجب أن يقرؤوا فقط ما يحسّن سلوكهم، ويوجههم نحو الأخلاق الفاضلة، والسلوك القويم، ويعدّهم للخلاص ويحميهم من الجحيم. وغالبًا ما كانت الكتب تستخدم مفهوم العقوبات لتخويف الأطفال ودفعهم إلى طاعة الكبار، وكانت في معظمها تتخذ شكل حوارات طويلة بين طفل وشخص كبير (معلم أو أب أو أم) تؤكد كلّها على الأخلاق، وتعليم السلوك القويم. 

وعلى الرغم من أنّ الكتب التي طبعت في هذه الفترة لم تكن موجّهة للأطفال على الإطلاق، إلا أنّ بعضها لاقى إقبالًا كبيرًا منهم، ويعدّ الآن من الكلاسيكيّات في تاريخ أدب الطفل في الغرب. ولعل كتاب السير روجر ليسترانج "حكايات إيسوب" الذي نشر عام 1484 يعد مثالًا جيّدًا على الكتب التي لاقت إقبالًا كبيرًا من الصغار والكبار، وهي حكايات ما زالت متداولة بين الناس حتى يومنا هذا؛ مثل حكاية الثعلب والعنب، والنملة والجندب، والراعي الكذاب، وغيرها. والطريف أنّ السير روجر ضمّن كتابه هذا ملحقًا ناقش فيه الأبعاد الأخلاقية التي اشتملت عليها الحكايات، في استجابة واضحة لقيم العصر حول ما يجب على الأطفال أن يقرؤوه.

لكنّ الكتب بقيت غالية الثمن، فكانت لا تصل إلا إلى أيدي فئة قليلة من الناس، ممّن لديهم القدرة على شرائها، إلى أن ظهر ما يعرف بـالـ chapbooks  في القرن السادس عشر، وهي كتيّبات صغيرة، يتم بيعها بواسطة البائعين المتجولين، وتتكون من ورقة كبيرة تطوى لتكوّن كتابًا صغيرًا من 8  أو 16 صفحة.  ويُنظر إليها الآن على أنّها كانت أحد الأشكال المبكرة للأدب التي كان يمكن للأطفال أن يصلوا إليها، وغالبًا ما كانت تشتمل على قصائد وقصص خرافية، وتعاليم دينية، وحكايات تاريخيّة. 

وقد راجت هذه الكتب وانتشرت بين الناس حتى بدايات القرن التاسع عشر، ولعل حكاية "جاك العملاق وشجرة الفاصولياء" تعد من أشهر الحكايات التي نشرت ضمن هذه الكتب في القرن الثامن عشر، وهو القرن الذي انتشرت فيه كتب الـ chapbooks بشكل كبير، وصارت تصل إلى أيدي الأطفال في أوروبا وأمريكا الشمالية، على الرغم من أنّ هذا لم يكن يرضي المؤسسات الدينية والتعليمية في ذلك الوقت، لأنهم لم يتقبلوا أن يقرأ الأطفال نصوصًا كالقصص الخرافية التي ليس فيها فائدة ترجى من الناحية الدينية أو الأخلاقية، كما كانوا يزعمون.

لكن الانعطافة الحقيقية في أدب الأطفال ظهرت في أواخر القرن السابع عشر مع انتشار فلسفة جون لوك وجان جاك روسو؛ فقد كان لوك من أشدّ المؤيدين لفكرة أنّ الطفولة تعدّ مرحلة مستقلة مختلفة تمامًا عن مرحلة النضج، ولها حاجاتها النفسية والعاطفية والفكرية التي تتناسب معها، وقد اشتهر بفكرته التي تقول إنّ الذهن البشري في مرحلة الطفولة هو "صفحة بيضاء". وقد كان يرى أنّ الأدب يمكن أن يستخدم للتأثير على الطفل وتوجيهه وتعليمه، فقط إذا تمتّع بسمة الإمتاع والتسلية، ولذلك أخذ يحثّ الكتّاب على إنشاء كتب ممتعة ومسلية للأطفال، لمساعدتهم على فهم الحياة.

أمّا روسو فقد اختلف عن لوك في أنه، رغم تأكيده على استقلال مرحلة الطفولة، رفض فكرة "الصفحة البيضاء"، وأكّد على أنّ الأطفال ينمون وفق وتيرتهم الخاصة، ولهم تصوراتهم عن العالم وفق شروطهم وأطرهم المرجعية التي تختلف عن أطر الكبار. كانت الطفولة في نظره هي لغة "الوحشية النبيلة"، التي تمثل أقصى درجات البساطة والبراءة، ولذلك دعا إلى التعامل مع الأطفال على أنهم قراء أكفاء مخلصون، يتمتعون بقدرات فريدة ومستقلة لتقدير الجمال. وقد تركت هذه الأفكار آثارًا لا تُمحى في تطوير أدب الأطفال، والنظر إليه كنوع فريد ومستقل؛ فقد ساعد انفصال مفهوم الطفولة إلى مجال مستقل في الحياة على ظهور ما يعدّ في نظر المؤرخين أهم شكلين من أشكال أدب الأطفال: الرواية، والكتاب المصوّر.  

وفي هذا الوقت من الانتشار الواسع لأفكار جون لوك ظهر جون نيوبيري، الذي عُرف بالأب الروحي لأدب الأطفال، لأنه كان الناشر الأول الذي فكّر في إنشاء خط نشر مستقل لكتب الأطفال، وبدأ بنشر كتابه الأول للأطفال "كتاب الجيب الجميل"، في 1744، وما يميّز هذا الكتاب هو أنّه يعدّ أول كتاب كُتِب بهدف تسلية القرّاء الصغار، بشكل صريح ومن دون مواربة. ولم يكتف نيوبيري بنشر هذا الكتاب فقط، بل نشر كتابًا آخر من تأليفه، ثم شرع ينشر كتبًا لكتّاب آخرين كُتبت للأطفال.

تعدّ كتب نيوبيري نقلة نوعيّة كبيرة في تاريخ أدب الأطفال؛ فقد شكلت، بأغلفتها المذهبة، وأوراقها الجاذبة، وحكاياتها المثيرة، ورسوماتها، وبالدمى التي كانت تأتي أحيانًا مع الكتاب، منعطفًا كبيرًا في سوق النشر آنذاك. لقد أحدث نيوبيري ثورة في صناعة كتاب الطفل. وفي هذه المرحلة أيضًا ظهرت أنواع مختلفة من كتب الأطفال؛ ككتب الألعاب، والألغاز، والأبجدية، والأغاني، والحكايات الخيالية، بحيث صار أدب الأطفال في هذا الوقت أقل توجيهًا، وأكثر تركيزًا على إغناء مخيلة الطفل، ومخاطبة وجدانه وأفكاره حول العالم من حوله، وابتعدت النصوص شيئًا فشيئًا عن غايات قولبة الطفل وتأطير تفكيره وفق رؤية الكبار.

وبدأ سيل الكتب بالظهور، بحيث يعدّ المؤرخون القرن التاسع عشر العصر الذهبي لأدب الأطفال، وأخذت قصص المغامرات والفنتازيا تنتشر، وتلقى قبولًا من الأطفال، وبهذا ابتعد خطّ النشر عن الاتّجاه التعليمي التوجيهي الذي كان سائدًا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ويمكن أن نشير إلى مثال واحد فقط من هذه الكتب، وهو كتاب "الأميرة والعفريت" لجورج ماكدونالد الذي نشر في 1872 ، والذي يتناول عناصر فنتازية وسحرية، ويتحدث عن الأميرة  آيرين التي تخطط العفاريت لخطفها لتزوجها من أميرهم هاريليت، حتى يتمكنوا من إجبار البشر على الخضوع لهم. وهكذا ابتعد أدب الأطفال تمامًا عن التوجيه المباشر، والقصص التي كلّها حوارات بين أطفال وبالغين، ونصوص تعظ الأطفال وتخوّفهم من عواقب الوقوع في الأخطاء. لقد صارت قصص الأطفال تطير بهم في عالم الخيال والمغامرات، وتضحكهم، وتأسرهم، وتجعلهم يكتمون أنفاسهم وهم يترقبون اللحظة التي سينتصر فيها البطل، أو اللحظة التي سيهرب فيها من براثن الوحش الشرير. الكتب التي قد تجعل الدموع تترقرق في عيونهم، حزنًا وتعاطفًا، أو تطلق ضحكاتهم عالية في الفضاء لتعلن عن ابتهاجهم وفرحتهم.

وإذا كان التحوّل في أدب الأطفال، قبل القرن العشرين، يتعلق بالمبادئ الأساسية حول مفهوم الطفولة، وما يجب أن يُكتب للأطفال، فإن التغييرات التي شهدها أدب الأطفال في القرن العشرين كانت مرتبطة بشكل أكبر بمحتوى الكتب نفسها؛ فقد أثرت الحرب العالمية الأولى والثانية في انتشار كتب تصوّر المثالية والروح القيادية، وفي خمسينيات القرن وستينياته ظهر طوفان من الكتب الواقعية تزامنًا أو تأثرًا بصعود نجم الواقعية آنذاك، فظهرت قصص وروايات تعالج مشكلات الفقر والتشرد والموت، كما استمرّ مسار الفنتازيا وازداد رسوخًا في أواخر القرن العشرين وتوسّع وتنوّع.

لقد أصبح أدب الأطفال أكثر صراحة وصدقًا، فلم يعد الأطفال محميين بقصص الأسر السعيدة، بل صار الأدب يصوّر لهم مواقف الحياة، سواء في النصوص الواقعية أو الخيالية، بحلوها ومرّها، بخيرها وشرّها، وصار راسخًا لدى الكتّاب أنّ الأطفال يمكنهم بيسر وذكاء أن يطوّروا فهمهم وسلوكهم وتصوراتهم عندما يقرؤون عن آخرين نجحوا في مواجهة مشكلاتهم بطريقتهم الخاصة.

إنّ رحلة أدب الأطفال في الغرب رحلة طويلة تتخللها الكثير من التفاصيل والأسماء والكتب، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الإلمام بها أو بجانب منها في مقال محدود، لكن المرء يستطيع أن يدرك أنّ أدب الأطفال، شأنه شأن الأدب بشكل عام، يتغير ويتطور، ويتّخذ لنفسه أشكالًا تتوافق مع الزمان والمتلقي، وتستجيب لحاجات العصر والناس ورؤاهم.

وربما لا يكون عادلًا ولا مقبولًا أن نحاكم أدب زمن بمعايير زمن آخر، قبله أو بعده. إنّ معرفة السياقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية تساعدنا على التبصّر وفهم ما ينتج في زمن بعينه، سواء كان للأطفال أو لغيرهم. إنّها رحلة ممتدّة، لا تتوقف، ولا ندري بعد سنوات من الآن كيف سيكون شكل كتاب الطفل، وماذا ستكون أهم موضوعاته.

التعليقات (1)

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    نص موجز ولطيف ، حبذا لو كتبت مثله في الجانب العربي
    مع الشكر

    ليلى مسعود

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى