الحزن، الخوف، العنف... هل لهذه المواضيع مكان في أدب أطفالنا؟

بقلم د. نسيبة حسين العزيبي
 

شحطت البنتُ عودَ كبريت على الحائط، فأضاء المكان حولها. وعبْرَ البريق، وقفت جدتها العجوز واضحةً لامعةً حنونةً طيبة. صاحت الصغيرة: "جدتي! آه، خذيني معك، أعلم أنك ستختفين عندما ينطفئ عود الكبريت، ستختفين مثل الموقد الدافئ، مثل البطة الشهية، وشجرة عيد الميلاد المباركة." ثم أسرعت بشحط عيدان الكبريت الباقية في الحزمة، الواحد تلو الآخر، كانت تودّ بشدة أن تُبقي جدتها. أضاءت عيدانُ الكبريتِ ببريقٍ أصفى من ضوءِ النهار. لم تكن جدتها في يومٍ أحلى وأكبر منها الآن. حملت الجدةُ الفتاةَ الصغيرةَ بين ذراعيها وطارا بألقٍ وفرحٍ عاليًا، عاليًا جدًا، حيث لا برد ولا جوع ولا خوف، كانا عند الله. في الصباح البارد، وفي الزاوية تلك بين البيتين، كانت الفتاة الصغيرة، بوجنتين حمراوين وابتسامة مرسومة على الفم، كانت ميتة. ماتت متجمدةً من البرد في الليلة الفائتة من العام الماضي. طلعَ صباحُ السنةِ الجديدةِ على الجُثَّةِ الصغيرةِ التي حَضَنَت عيدانَ الكبريتِ ومنها حُزمةً محترقةً. قيلَ بأنها كانت ولاشكَّ تريدُ أن تحصلَ على دفءٍ. لم يعرف أحدٌ كم كانَ جميلًا ما رأتْهُ، أيُّ ضوءٍ مشعٍّ دخلتْ عَبرهُ مع جدتِها العجوز إلى فرحِ العامِ الجديد.

بائعة أعواد الكبريت الصغيرة

هانس كريستيان أندرسون – دار المدى

وبحذر التقطت أمها الأخرى خنفسة أكبر حجمًا وأشد سوادًا من غيرها، وقطعت سيقانها. (وبعناية أسقطت السيقان في مطفأة سجائر زجاجية كبيرة على المنضدة المجاورة للأريكة) وألقت الخنفسة في فمها وراحت تمضغها بسعادة، ثم أطلقت صوتًا يشي بالتلذذ، والتقطت واحدةً أخرى. قالت كورالاين: "أنت مريضة، مريضة وشريرة وغريبة الأطوار." سألتها أمها بفم ملئ بالخنافس السود: "أهاذا أسلوب تكلمين به أمك؟" [...] بقيت الأم الأخرى جالسةً على الأريكة وقد استحال فمُها إلى خطٍّ رفيعٍ إذ زمّت شفتيها، ثم ألقت خُنفسةً أخرى، كأنَّ الكيس الذي معها يحوي حَبّات الزبيبِ المغطى بالشوكولاتة. حدَّق زرّا عينيْها الأسودان الكبيران إلى عيني كورالاين بلونهما البندقي، والتوى شعرها الأسودُ اللّامعُ وتعرَّج حولَ رقبتها وكتفيها كأن ريحًا لا تَراها كورولاين أو تَشعُرَ بها تُحرّكهُ.

كورولاين

نيل غيمان – منشورات تكوين

"أنتَ يرقانةٌ صغيرةٌ وجاهلةٌ!" خارت الترانشبول: "أنتَ عشبٌ ضارٌّ أحمقٌ! أنتَ فأرٌ فارغُ الرأسِ! أنتَ كتلةٌ غبيّةٌ من الغِراء!" كانت آنذاك قد تمركزت خلف روبرت مُباشرةً، وفجأةً مدّت يدًا بحجم مضربِ التنس، وجذبت شعر رأس روبرت كُلّه، وجعلتهُ في قبضتها. كان لروبرت شعرٌ غزيرٌ ذهبي اللون، تعتقد والدته أن منظره جميلٌ، ولذلك يسُرُّها أن تتركه ينمو. كانت الترانشبول تكره بشدة شعر الفتيان الطويل، مثلما تكره ضفائر الفتيات، وقد أقدمت على إظهار ذلك، فجذبت بقوّةٍ خصلات شعر روبرت الطويلة الذهبية، بيدها الضخمة، ثم رفعت الولد البائس عن مقعده، بذراعها اليُمنى ذات العضلات المفتولة وأمسكته عاليًا. صاح روبرت. أخذ يتلوى ويتأرجح ويتخبط في الهواء مستمرًا في الصياح مثل حيوان عالق.

ماتيلدا

رولد دال – منشورات سمير

 

هذه أمثلة لنصوص من كتبٍ قرأناها ونحن صغار، أو شاهدناها كأفلام ومسلسلات كرتونية في طفولتنا. ويفعل أطفالنا الشيء ذاته هذه الأيام، مع نفس الكتب أو كتب أخرى بطبيعة مشابهة، عن الموت، أو التنمر، أو محاربة الأشرار. هي نماذج للموضوعات المذكورة في عنوان المقال، والذي أسأل فيه إن كان للحزن والخوف والعنف مكان في أدب أطفالنا. لذا فربما جواب السؤال يكون: "نعم، بالتأكيد للحزن والخوف والعنف مكان في أدب أطفالنا" إجابة بديهية وسريعة، فهذه الأمثلة (وغيرها الكثير من الأدب العالمي والعربي) تؤكد بأن أدب الأطفال زاخرٌ بهذه المواضيع، وأن ذلك، على نحو ما، مقبول ولا بأس به. وربما كانت تلك إجابتكم قبل حتى أن تطلعوا على الأمثلة. لأن الأدب جزء من الحياة، وأدب الأطفال جزء من حياة الأطفال، حياتهم التي يخوضون فيها تجارب متنوعة في طبيعتها وشدتها، تجارب توسع مداركهم، وتزيد من فهمهم ومهاراتهم، وتصقل شخصياتهم. إذًا فلم أشغل نفسي بأمر بديهي كهذا؟

الحقيقة هي أنني لطالما أردت الكتابة عن هذا الموضوع، وبالتحديد منذ ستة أعوام، حين قرأت في تطبيق الانستغرام رأي سيدةٍ في قصة عربية للأطفال، تحدثت فيه عن موضوع القصة الحزين، وكيف ذكرها بجدتها التي فقدتها وهي طفلة صغيرة، ثم أشادت بلغة القصة وأسلوب كتابتها ولوحاتها، لكنها كتبت في النهاية: "هذه من القصص التي لن أقرأها لأطفالي، لكني أحب وجودها على أرفف مكتبتي."

تعجبت من قرار تلك السيدة وقد أثنت على القصة ولم تجد فيها عيبًا في الفكرة واللغة واللوحات، لكنها وجدت موضوعها الحزين غير مناسب لأطفالها. فأحببت أن أدخل معها في نقاش حول الأمر لأفهم دوافعها أكثر. ولم أنتظر كثيرًا. فكتبت لها ردًا، حرصت أن أذكر فيه بعض الأدلة التي اعتقدت أنها ستطمئنها على مصير أطفالها إن هي قرأت لهم كتبًا حزينة، طالما أنها ببنية قصصية متينة وفنية عالية. فذكّرتها بقصة الأمير السعيد لأوسكار وايلد، والحذاء الأحمر لهانس كريستيان أندرسون، ومسلسلات الأطفال الكرتونية؛ سالي ونحّول وريمي وجزيرة الكنز، والتي أبكتنا كثيرًا، لكن أهلنا لم يثنونا يومًا عن مشاهدتها وتكرار ذلك مرات ومرات. للأسف لم أحصل على أي ردة فعل من تلك السيدة توضح لي إن كان ما قلته قد أثر في رؤيتها أو لم يفعل، أو تتيح لي فرصة الحوار معها بشكل أكثر استفاضة.

 

بالطبع لم تكن تلك السيدة، الوحيدة المتحفظة تجاه كتب الأطفال ذات المواضيع الجادة أو التي تحيد عن المرح في طريقة طرحها للأفكار، لكنها جعلتني أكثر انتباهًا لآراء مماثلة أو حتى شديدة الانتقاد. فصرت أصادفها بكثرة في المدونات الأدبية ومواقع التواصل الاجتماعي كالانستغرام والفيسبوك، حين يكتب أصحاب تلك الحسابات رأيهم في كتاب قرؤوه أو سمعوا عنه. ولم تكن تلك الانتقادات قادمة من أولياء أمور أو قُراء راشدين لكتب الأطفال من غير المتخصصين في أدب الطفل، بل كانت تصدر أحيانًا من بعض صُنّاع كتب الأطفال أنفسهم؛ كُتابٍ وأصحاب دور نشر ورسامين على حد سواء، ترتفع وتزداد حدتها كلما نُشر كتاب أطفال جديد بموضوع مماثل، أو فاز بجائزة أدبية مرموقة.

أنا أتفهم مشاعر أولياء الأمور الذين يرون أن سعادة أبنائهم مسؤوليتهم الأولى والأهم، وأن عليهم حمايتهم من كل ما من شأنه أن يحزن قلوبهم أو يكدر صفو حياتهم، الأمر الذي قد يعني أحيانًا عدم رغبتهم في أن يقرؤوا لهم (أو يقرأ أطفالهم بأنفسهم) كتبًا بمواضيع حزينة أو مخيفة أو عنيفة. فوقت القراءة الذي يخصصه الأهل لأبنائهم هو وقت نوعي يفضلون قضاءه في أنشطة تصنع مزيدًا من الذكريات الضاحكة السعيدة في عقول أطفالهم، أو أنشطة تعلمهم قيمًا ومهارات تحميهم أو تقوّم سلوكهم وتصنع منهم بشرًا صالحين.

لكن هذا التحفظ تجاه هذه المواضيع في أدب الأطفال، مهما كان مصدره أو دوافعه، يتطلب منا أن نتأمله جيدًا حتى نفهم أسبابه وحقيقته وتاريخه. هل هو خوف قديم أم مُستحدث؟ هل حقًا يحتاج أطفالنا إلى حماية من الحزن والخوف والعنف في أدبهم وكتبهم؟ هل يستند هذا الحرص على حقائق علمية وتوصيات خبراء ومختصين؟ ثم كيف أثّر ويؤثر أمر كهذا على المنتج الأدبي في كتب الأطفال أو ما يٌقدّم لهم في الشاشة الصغيرة أو الكبيرة؟

 

إذًا لنسأل أنفسنا أولًا هذا السؤال التقليدي "ما هو أدب الطفل؟" هل يستطيع التعريف أن يخبرنا بما يجب وما لا يجب أن يكون في كتب الأطفال؟ هل يؤكد تعريف أدب الطفل على ضرورة أن تكون كتب الأطفال سعيدة دائمًا؟ هل يحذر التعريف من مغبة إقحام المواضيع الحزينة أو المخيفة أو العنيفة في كتبهم؟ ربما معرفة الإجابة على هذا السؤال أولًا خطوة جيدة نستهل بها كلامنا هنا، لنبني عليها حكمًا أوليًّا على الأقل، ثم ننطلق منه إلى رحاب الدراسات والبحوث المستفيضة والحقائق العلمية المُثبتة.

يقول البروفيسور الأمريكي (روجر سيل)، وهو كاتب وناقد متخصص في أدب الطفل: "الجميع يعرف ما هو أدب الأطفال حتى يُطلب منهم تعريفه. [...] لذا فمن الأفضل أن نقول إن لدينا جميعًا فكرة جيدة عما يتضمنه أدب الأطفال، ثم نترك الأمر ينتهي هناك."

.Roger Sale. 1978

Fairy Tales and After. From Snow White to E. B. White

.Harvard University Press. Cambridge

كلام البروفيسور (روجر سيل) ذكرني بما قالته دكتورة صباح عيسوي، أستاذة دراسات أدب الطفل وثقافته، في محاضرة مصوّرة لها في اليوتيوب بعنوان "قضايا ملحة في أدب الطفل" حين وصفت دراسات أدب الطفل بالدراسات "البينيّة" التي تتشابك فيها التخصصات. فأدب الطفل يُدرّسُ في عدد من الكليات والأقسام الجامعية، مثل كلية العلوم الإنسانية، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم المكتبات، وكلية الإعلام، وكلية التربية. ولكل تخصص من هذه التخصصات مواضيع محددة في أدب الطفل يعتني بتدريسها ومناقشتها والبحث فيها. هذا التشابك في تدريس أدب الطفل في هذه التخصصات المختلفة أدى إلى تنوع المسارات التي يُنظر من خلالها إلى أدب الطفل، لأن كل تخصص يتعامل مع أدب الطفل من زاويته واحتياجات تخصصة ودراساته. فكلية العلوم الإنسانية، مثلًا، معنية بالجانب الأدبي والنقدي لكتاب الطفل، وكلية الإعلام معنية بمناقشة القضايا التي تمس الطفولة في أدب الطفل، وكلية التربية معنية بالنواحي التربوية لكتاب الطفل. وتعتبر كليات التربية هي التخصص الأكثر استحواذًا على أدب الطفل والتي تسعى حثيثةً إلى ضمه إليها، نظرًا للعلاقة الوثيقة بين أدب الطفل والتربية والطفولة. ويظهر تأثير كليات التربية القوي على مفهوم أدب الطفل في الأسلوب الذي صار يتعاطى به المجتمع مع كتب الأطفال، فنرى إصرار الكثير من الآباء والأمهات على اقتناء قصص الأطفال ذات الطابع التربوي التوجيهي المباشر، والتعامل مع كتب الأطفال كأدوات معينة لهم في تربية أطفالهم وتقويم سلوكهم. وعلى الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه كليات التربية في أدب الطفل، فإن القضايا النقدية والأدبية والثقافية في كتاب الطفل تبقى شأنٌ خاص بالناقد الأدبي في كليات العلوم الإنسانية، ولا يستطيع التربيون مناقشتها كما يفعل ناقد أدبي متخصص بأدب الطفل.

د. صباح عيسوي. 2018

قضايا ملحة في أدب الطفل. يوتيوب

مركز عبدالرحمن كانو: البحرين

إذًا فربما علينا أن نعمل بنصيحة البروفيسور (روجر سيل) وأن تكتفي كل هذه التخصصات بقول إن لديها فكرة جيدة عما يتضمنه أدب الأطفال ثم تتوقف عند هذا الحد. لكن حتى مع وجود اتفاق عام بين هذه التخصصات على وجود "أدب للأطفال"، وإجماعها على تكامل وتكاتف أدوارها في التعامل مع هذا الأدب، فإننا حتى يومنا هذا نجد صعوبة في وضع تعريف "واحد" يتفق عليه الجميع، يوضح ماهيّة هذا الأدب وماهيّة محتواه، وهو الأمر الذي جعل أدب الأطفال نوعًا أدبيًّا غنيًّا ومربكًا ومعقدًا للغاية.

فحتى عهد قريب كان ما يميز كتب الأطفال عن غيرها هو مواضيعها وقابليتها للقراءة. كبساطة الأسلوب والمحتوى، والمفردات، وطول النص والموضوع الذي يهم الأطفال ويلائمهم. إلا أن هناك الكثير من الروايات التي يمكن للأطفال قراءتها على الرغم من أنها لم تُكتب في الأصل لهم، بل كانت مخصصة للقراء البالغين عندما تم إنتاجها لأول مرة، مثل رواية روبنسون كروزو، ورحلات غوليفر، ومزرعة الحيوانات، وأن تقتل طائرًا بريئًا. الأمر الذي دفع الناقدة والباحثة في دراسات أدب الأطفال (باربرا وول) إلى التمييز بين أدب الطفل والكتابة للطفل؛ فأما التصنيف الأول "أدب الطفل" فيشمل كل ما يجذب الأطفال ويمتلكون القدرة على قراءته حتى وإن كُتب في الأصل للكبار، وأما التصنيف الثاني "الكتابة للطفل" فينحصر على الأعمال التي خُصصت في الأساس لأن يقرأها الأطفال.

.Barbara Wall. 1991

.Narrator’s Voice: The dilemma of Children’s Fiction

.Palgrave Macmillan: London


إذًا ما الذي يجعلنا قادرين على أن نقول عن كتابٍ ما إنه كتاب ملائم للأطفال، وعن كتاب آخر إنه غير ملائم لهم؟ يقول البروفيسور البريطاني (بيتر هانت)، أستاذ دراسات أدب الطفل: "عند قراءة وتقييم كتاب للأطفال، لابد من طرح سؤالين مهمين "هل هذا الكتاب جيد؟" ثم "هل هو جيد للأطفال؟" إلا أن الإجابة عن هذين السؤالين ليس بالأمر السهل إطلاقًا، فالسؤال الأول يقتضي التمييز بين "الجودة" و "القيمة" والسؤال الثاني يقتضي التمييز بين "الملاءمة" و "سهولة الوصول" وهكذا يجادل البروفيسور (بيتر هانت) بأنه، وببساطة، لا توجد معايير محددة ومتفق عليها بالإجماع للحكم على كتب الأطفال. ومع غياب القدرة على وضع حدود لأدب الطفل يصبح أدب الطفل، كنوع أدبي، منطقة مربكة دائمًا. وعليه يرى (بيتر هانت) بأن المعايير المستخدمة في تقييم أدب الأطفال في مكان ما أو مجتمع ما، هي معايير مستمدة من الأعراف الاجتماعية التي تحكم ذلك المجتمع في زمن ما. وبالتالي فإن تلك المعايير تعكس الطريقة التي يُنظر بها إلى الطفولة في ذلك المكان أو ذلك المجتمع. وفي هذا السياق تصبح "الطفولة" مفهومًا متغيرًا، وهو ما يؤكده التطور والازدهار الذي شهده تاريخ الطفولة، وتعريفها، ودراستها كمفهوم، في السنوات الأخيرة.

.Peter Hunt. 2005

.Understanding Children’s Literature. Second Edition

.Routledge: New York

ويرى البروفيسور (بيري نودلمان) أستاذ دراسات أدب الطفل، الشيء نفسه فيقول في تعريفه لأدب الطفل: "هو نوع أدبي مستقل وقابل للتحديد، له خصائص تنبثق من أفكار البالغين الدائمة حول الطفولة والتي بقيت ثابتة طوال الفترة الزمنية التي صُنع خلالها هذا الأدب. لكن هذه الأفكار متغيرة ومتناقضة بطبيعتها؛ لذلك فإن أدب الطفل متغير ومتناقض أيضًا."

.Perry Nodelman. 2008

.The Hidden Adult: Defining Children’s Literature

.JHU Press: Maryland

ولعل المتأمل في تاريخ أدب الطفل ومحطات تطوره، والأحداث التي أثرت فيه على المستوى المجتمعي والعالمي، منذ القرن الخامس عشر حتى يومنا هذا، يتيقن من حقيقة طبيعة هذا الأدب المتغيرة باستمرار. تقول الدكتورة لطيفة الفلاسي. أستاذة وباحثة في اللغة العربية، في مقال كتبته بعنوان (نظرة عامة في تاريخ أدب الأطفال): "يستطيع المرء أن يدرك أن أدب الأطفال، شأنه شأن الأدب العام، يتغيّر ويتطوّر، ويتخذ لنفسه أشكالًا تتوافق مع الزمان والمتلقى، وتستجيب لحاجات العصر والناس ورؤاهم. وربما لا يكون عدلًا ولا مقبولًا أن نحاكم أدب زمان بمعايير زمن آخر، قبله أو بعده. إنَّ معرفة السياقات التاريخيّة والاجتماعية والاقتصاديّة تساعدنا على التبصّر وفهم ما ينتج في زمن بعينه سواء كان للأطفال أو لغيرهم. إنها رحلة ممتدة، لا تتوقف، ولا ندري بعد سنوات من الآن كيف سيكون شكل كتاب الطفل، وماذا ستكون أهم موضوعاته."

د. لطيفة الفلاسي. 2019

نظرة عامة في تاريخ أدب الطفل

مدونة دار أشجار. رُمّان رُمّان.

حين قرأت هذا، تذكرت قصة الأطفال "حيث تكون الأشياء البرية" التي ألفها ورسمها الأمريكي (موريس سنداك). فقد احتاج سنداك إلى أربعة أعوام ليحصل على موافقة دار هاربر كولينز لنشر الكتاب، وحين تحقق له ذلك في عام 1963 حُظرت القصة لمدة عامين كاملين. أما هاربر كولينز فكانت مترددة بسبب ما تقدمه القصة من مفاهيم تتعارض مع الضوابط المجتمعية الخاصة بتربية الأطفال في ذلك الوقت. فبطل القصة يتمرد على والدته، فتحرمه من تناول العشاء، ليهرب بعد ذلك من المنزل، ويعيش بين وحوش مخيفة تريد التهامه، ثم يعود إلى حجرته ليجد عشاءه في انتظاره، لأن والدته تقرر عدم معاقبته، فلا يتعلم درسًا من خطئه، ولا يُقَوّم سلوكه.

 

حين نشرت هاربر كولنز القصة أخيرًا حدث ما كانت تخشاه، فقوبلت القصة بالرفض، وانتقدتها الأمهات، بل وهاجمها البروفيسور (برونو بتلهيم)، أحد أبرز المؤرخين وعلماء النفس، وكتب عن تأثيرها السلبي قائلًا: "ما فشل (سنداك) في فهمه هو الخوف المهول الذي تثيره هذه القصة لدى الطفل، حين يُرسل الطفل إلى الفراش دون عشاء، ومن قبل والدته التي من المفترض أن تقدم له الغِذاء والأمن أولاً وقبل كل شيء [...] إن أكثر ما يُقلق الطفل هو الهُجران. فأن يُرسل الطفل إلى الفراش وحيدًا هو الهجر الأول، ومن دون طعام هو الهجر الثاني، وهذا المزيج هو أسوأ هجر يمكن أن يهدد الطفل [...]  هذه القصة ضارة لنفسية الأطفال من عمر 3 إلى 4 أعوام"

.Bruno Bettelheim, 1969

.The Care and Feeding of Monsters

Ladies Home Journal

اعترف البروفيسور (برونو بتلهيم) لاحقًا أنه لم يقرأ القصة، وأنه شكل رأيه فيها وما كتبه حولها بناءً على ما سمعه من الأمهات المعترضات عليها. بل واتضح أنه يتبنى الفكر الذي يرى أن لقصص الأطفال التي تتناول مواضيع الخوف والقلق خصائص علاجيّة لنفسيّة الأطفال، ووسيلة تساعدهم في فهم مخاوفهم والتخفيف منها. أما حظر القصة فقد رُفع بسبب مطالبة الأطفال أنفسهم بذلك، وإصرارهم على توفيرها في المكتبات العامة ومكتبات المدارس. وفي عام 1964 حصلت القصة على ميدالية كالديكوت كأكثر كتب الأطفال الأمريكية تميزًا في ذلك العام. وأشاد بها نقّاد أدب الطفل وخبراؤه، وحولت إلى أفلام ومسرحيات وترجمت إلى الكثير من اللغات، واليوم تعد قصة "حيث توجد الأشياء البرية" واحدة من أهم كتب أدب الطفل في العالم وأكثرها مبيعًا.

إن هذا التحول "المتطرف" في أمزجة القراء تجاه قصة واحدة، من الرفض التام إلى القبول التام، لهو بالضبط ما قاله البروفيسور (بيري نودلمان) حين وصف أدب الطفل بأنه أدبٌ "متغيّر ومتناقض" لأن مفهوم أدب الطفل منبثق من أفكار البالغين حول الطفولة، وهذه الأفكار "متغيرة ومتناقضة"، تمامًا كتناقض البالغين الذين قرؤا في طفولتهم قصصًا بموضوعات حزينة ومخيفة وعنيفة، وأحبوها، لكنهم حين كبروا قرروا أنها لا تلائم أطفالهم.


في مقابلة تلفزيونية عام 1991 سُئل (موريس سنداك) عن الطريقة التي يتعامل بها مع صناعة كتب الأطفال وإن كان ينتمي إلى المعسكر الذي يرى الطفولة بطريقة مثالية ولطيفة وبريئة للغاية، أو المعسكر الذي يرى الطفولة بطريقة فلسفية مختلفة، فأجاب قائلًا: "لا يجب أن تكون الإجابة إما هذا أو ذاك، لأنها الطريقتان معًا. بالطبع هناك لحظات رائعة في مرحلة الطفولة تتسم باللطف والوداعة، لكن سيكون من الحماقة الادعاء بعدم وجود جوانب مظلمة وقاسية خاصة وأننا جميعًا مررنا بها. وعادة ما أفكر إنها لمعجزة حقًا أننا ننمو ونكبر ونصير راشدين، وأنا أعني ما أقوله. لأن الحياة قاسية، قاسية على الأطفال، لكنهم يمتلكون الصلابة للاستمتاع بها. ففي أغلب مراحل الطفولة يواجه الأطفال أشياء جديدة لا يكون لديهم خبرة فيها أو معرفة بها أو إدراك لها، لكنهم مضطرون لاستكشافها بأنفسهم. المرور في هذه التجارب يتطلب الكثير من البطولة والشجاعة. وهذا في رأيي يجعل الأطفال خارقين فعلًا، لذا فأي عمل أقوم به من أجلهم لابد أن يعكس معرفتي وإقراري بحقيقتهم هذه وبأنهم يخوضون هذا. أنا أدخل إلى عالمهم بإدراكٍ تام أني كنت يومًا ما في عالم مثل عالمهم، وبإستحضار ذكرياتي عن ذلك العالم، واليقين بأن الشيء الوحيد الذي أستطيع منحهم إياه هو ما أعتقد أنه الصدق، وما أعتقد أنه الحقيقة عن الحياة. هذا ما تستطيع أن تمنحهم إياه. لا يهم مهارتك في الرسم، هم لا يكترثون لمهارتك في الرسم، هم حتى لا يكترثون لمهارتك في الكتابة، فهم متعطشون لقراءة أي شيء والنظر إلى أي شيء، هم معنيون بمدى صدقك وصراحتك عن الحياة."

Maurice Sendak. 1991

Sugar Plums and Vinegar: Childhood

UW Video. YouTube

حين كان كاتب الأطفال الأمريكي (مات ديلابينا) يعمل مع الرسام (لورين لونج) في مراجعة لوحات كتابه "الحب" بَلَغَهُ أن مسؤولًا مهمًا يلوح بتعطيل نشر كتابه إن لم يُلطف من حدة لوحة من لوحات الكتاب. في تلك اللوحة المقصودة، يظهر طفل صغير متكوّر مع كلبه أسفل البيانو، بينما يتشاجر والداه في غرفة المعيشة بالقرب منه. الأم تغطي وجهها بكفيها كأنها تبكي، والأب يسير مبتعدًا عنها. في الصورة يظهر أيضًا كوب زجاجي به مكعبات من الثلج فوق البيانو. كانت الملاحظات التي تلقاها الناشر من ذلك المسؤول تفيد بأن هذا المشهد سيكون ثقيلًا على الأطفال. وقد يزعج الآباء الذين سيقتنون الكتاب ويجعلهم غير مرتاحين لقراءته مع أطفالهم.

 

يقول مات: "لقد دفعتني هذه الأخبار المحبطة إلى التساؤل، ربما لأول مرة في مسيرتي المهنية، عن الهدف من نصوص كتبي المصوّرة. ما الذي كنت أحاول تحقيقه بهذه القصص؟ ما الأفكار والمشاعر التي أتمنى أن أثيرها عند الأطفال؟ لقد بدأت مشروع هذا الكتاب بالتحديد ببراءة تامة. كنت محبطًا من الانقسام الحاصل في بلدي، فشرعت بكتابة قصيدة عن الحب. قصيدة أستطيع مشاركتها مع طفلتي أنا، وكل طفل قابلته في كل ولاية زرتها، ديمقراطية كانت أو جمهورية. لكنني حين قرأت المسودة الأولى من القصيدة، شعرت بأن شيئًا ما فيها لم يكن صادقًا. كانت القصيدة مطمئنة وحتى مبهجة، لكنني أخفقت في الإعتراف بمفهوم المحنة التي يختبرها الأطفال. فأعدت الكتابة من جديد. بعد أسابيع قليلة من مراجعة القصيدة، تلقيت أنا وزوجتي بعض الأخبار السيئة، ورأت ابنتي زوجتي تبكي علانية لأول مرة. هز هذا عالمها الصغير وبدأت تبكي وتتشبث بساق زوجتي، تتوسل لمعرفة ما كان يحدث. هدأناها وتحدثنا معها، وفي النهاية جهزناها للنوم. وبينما كانت زوجتي تقرأ لها قصة، تفحصت وجه ابنتي الملطخ بالدموع، وشعرت بأنها فقدت جزءًا بسيطًا من براءتها في ذلك اليوم. لكن ربما هذه اللحظات الصغيرة من الحزن ضرورية لنمو الطفل بل وبنفس أهمية لحظات الفرح بالضبط. وربما بدلاً من محاولة حماية أطفالنا بقلق من كل الأذى والحزن البسيط، فإن مهمتنا هي ببساطة دعمهم خلال تجارب مثل هذه. أن نتحدث معهم. أن نمسك بهم. وربما وجدت هذه الفكرة نفسها في نص القصة."

Matt de la Peña. 2018

.Why We Shouldn’t Shield Children from Darkness

بالطبع نُشر الكتاب باللوحة دون تغيير، فقد أصر (مات ديلابينا) ورسام الكتاب (لورين لونج) على إبقائها  كما هي في الكتاب. بالنسبة للنص فقد كانت جزءًا رئيسيًّا في السرد، لكنها كانت أيضًا تجسد نموذجًا للمعاناة التي قد يمر بها بعض الأطفال في منازلهم، وهؤلاء يحتاجون إلى أن يروا في الكتب التي يقرؤونها مشاهد تشبه ما يمرون ويشعرون به لكنهم لا يستطيعون التحدث عنه. أما بالنسبة للأطفال الذين لم يختبروا يومًا هذا النوع من الحزن أو الخوف، فلا يوجد مكان أكثر ملاءمة و أمان من القصص ليستكشفوا هذه المشاعر المعقدة فيها، وبينما هم جالسون في أحضان عائلاتهم.

حين أقرأ تجارب ملهمة مثل هذه، أتذكر الكثير من كتابِ ورسامي أدب الطفل في عالمنا العربي الذين أعرفهم وأعرف أنهم يرون الطفولة كما يراها (موريس سنداك)، ويمرون بمواقف مماثلة للموقف الذي مر به (مات ديلابينا) ورسام كتابه (لورين لونج)، ويسمعون كلام الراشدين عن كتبهم وكم هي "مغمورة في الحزن" أو "مرعبة للأطفال" أو "محفزة على العنف". أتذكر نفسي أيضًا، والمرات الكثيرة التي قرأت فيها تعليقات مماثلة حول كتبي، وملاحظات باعة الكتب التي يكررونها على مسامعي كلما سألتهم عن مستوى الإقبال على إصداراتي فيجيبون بسرعة "الناس تحب الفرفشة يا دكتورة". أتذكر الرسام الذي كلما رآني سلم علي بحرارة ثم قال لي: "أتمنى من كل قلبي أن أرسم لك كتابًا، لكن ليكن خفيف الدم هذه المرة". أنا أتذكر كل هذا وأبتسم، تمامًا كما أبتسم حين أقرأ الكتب للأطفال وأرى وجووهم المضيئة وعيونهم اللامعة، وأجسادهم الصغيرة متكورة، وهم ينصتون للقصة، وحين تنتهي الحكاية يصفقون بحماس ويصرخون عاليًّا "مِسْ، مِسْ. تعالي كل يوم."   



التعليقات (1)

  • توقّفت لأسجل إعجابي بمقالكِ دكتورة نسيبة، وأرى أن هذه الإشكالية ذات اتساعٍ يكبر ليشمل حتى أدب الكبار من قصص قصيرة أو رواية ، القراء يحبون النهايات السعيدة، وترعبهم بعض القصص المأساوية عندما تأتي في رواية ، ويتوقفون عن قراءة رواية شخصيتها حزينة ومنغلقة.. كما قال بائع الكتب: الناس تحب الفرفشة!!

    فاطمة الكعبي

اترك تعليقًا

Please note, comments must be approved before they are published

الرجوع إلى الأعلى