
تبدأ الحكاية عادةً بجملة: «كان يا ما كان». لكنّ الطفل الذي يفتح كتابًا مصوّرًا لا يسمع الجملة وحدها، بل يرى المكان الذي «كان» فيه كل شيء: لون السماء فوق القرية، وشكل الباب، وملامح الوجه الذي ينتظر. هناك، بين الكلمة والصورة، يولد عالم يمكن الدخول إليه.
في كتبه الثلاثة المنشورة لدى دار أشجار، يشتغل الرسام حسان مناصرة في هذه المسافة تحديدًا. لا يكتفي بأن يرسم ما يقوله النص، بل يبني المكان الذي تجري فيه الحكاية، ويمنح كل كتاب لغة بصرية تخصّه وحده. يقول في حديث مصوّر على قناة الدار إنه يحب أن يخلق لكل نص عالمه الخاص، «مفصّلًا على قدّه»، فلا يضيق حتى يملّ الطفل، ولا يتّسع حتى يصير غريبًا عن شخصيات القصة.
حسان مناصرة وعالم الحكاية
بدأت رحلة حسان مع دار أشجار بقصة «الحنين» للكاتبة عائشة الحارثي (2019)، القصة الفائزة بجائزة اتصالات لكتاب العام في أدب الطفل 2018. ثم جاءت «البطل الخارق» للدكتورة نسيبة العزيبي (2021)، ثم «أغلى ما في الوجود» للكاتبة داليا تونسي (2026).
ثلاثة كتب تفصل بين أولها وآخرها سبع سنوات، ولا يشبه أحدها الآخر. في الأول استعارات مرسومة بطبقات لون كثيفة، وفي الثاني رسم كلاسيكي دافئ بالأكريليك، وفي الثالث خطوط وتفاصيل تستلهم المنمنمات العربية. وما يجمعها ليس «أسلوبًا» ثابتًا، بل طريقة في التفكير: أن تبدأ الصورة من سؤال النص، لا من عادة الرسام.
في حواره مع مدونة دار أشجار يلخّص حسان هذه الطريقة بعبارة واحدة: «أقوم بصنع كتاب متكامل، وليس فقط تقديم رسوم جميلة». ويضيف أنه لا يريد رسومًا منفصلة عن النص أو تتحدّاه، ولا رسومًا باهتة وظيفتها أن تتبع الكلمات فقط.
الشخصيات التي تعيش داخل الصفحة

حين بدأ حسان رسم «البطل الخارق» كان أمامه سؤالان، كما يروي: من هذا البطل؟ وماذا يريد أن يقول؟ جمع ملاحظات عن كل ما يمكن أن يُسمّى «بطلًا»، من أبطال الحكايات القديمة إلى الأبطال المعاصرين، ثم اختزلها في فكرة واحدة: البطولة لا ترتكز على الكتلة العضلية، بل على إنسانية الشخصية وقيمها.
هكذا صار البطل رجلًا شرقيًا بشاربين وملامح مألوفة وجسد عادي، بثياب زاهية مطرّزة بزخارف تراثية. وتذكر المؤلفة في مقالها عن القصة أن حسان قرّب ملامحه من شخصية أحبّها في طفولته ورأى فيها بطلًا. لذلك حين يفقد البطل قدراته واحدة بعد أخرى، ثم يُقصّ شعره الطويل وجناحاه، لا يفقد القارئ تعلّقه به.
في «الحنين» الشخصية أكثر صمتًا. صبيّ بطربوش أحمر، نراه من الجانب في لحظات التأمل، وعيناه تحملان ما لا يقوله النص. أما «أغلى ما في الوجود» فتقترب شخصياتها من الكاريكاتير: إمبراطور يغرق في أريكته وفي ضجره، ووزير بعينين مفزوعتين وفقاعة تفكير تعلو رأسه. ثلاث درجات للوجه البشري، من التأمل إلى الطرافة، في ثلاثة كتب.
المكان ليس خلفية

في رسوم حسان لا تقف الشخصيات في فراغ. في «الحنين» قرية ليلية بنوافذ مضيئة، وبيت صغير بسلّمه ودخانه تحت سماء من النجوم. وفي «البطل الخارق» سهول وغيوم وصبّار وخيمة منفردة في الليل. وفي «أغلى ما في الوجود» مملكة كاملة تُرى من أعلى، بنهرها ومدنها وسفنها، وقلعة تحرسها شمس لها وجه، وقاعة مأدبة نطلّ عليها كأننا نقف عند سقفها.
هذه ليست ديكورًا. في «الحنين» يبدو البيت الصغير معلّقًا في الفراغ كما تتعلّق الذكرى في رأس المسافر. وفي «أغلى ما في الوجود» تصير الخريطة نفسها بداية الحكاية: قبل أن نعرف الإمبراطور نعرف حجم ما يملكه، فنفهم لاحقًا لماذا لا يكفيه.

اللون بوصفه جزءًا من السرد
في «الحنين» يقابل أزرقُ الليل أحمرَ الذاكرة. يد زرقاء عملاقة ترفع الصبي فوق خلفية حمراء، وبحر أزرق تطفو فيه أشياء البيت: إبريق وأوانٍ وطيور. اللون هنا كثيف ومشغول بطبقات، وملمس السطح حاضر في كل لوحة.
في «البطل الخارق» يتحدث حسان عن خياره بوضوح: الألوان الدافئة أنسب لموضوع القصة، مع «خطوط فرشاة بوجدانية عالية غير ميكانيكية». رسم الكتاب بألوان الأكريليك على ورق قطني بوزن 450 غرامًا وبمقاس الكتاب نفسه، ما عدا لوحة واحدة رقمية بلون واحد ومن دون نص، هي لوحة الظهور الأول للرجل الحكيم. أما لوحة الفوانيس الورقية في السماء الزرقاء فتحمل أدفأ ضوء في الكتاب.

وفي «أغلى ما في الوجود» تتغيّر اللوحة اللونية تمامًا: أصفر الورق القديم، وإطارات مزخرفة، وألوان صافية تحدّها خطوط واضحة. ثلاثة كتب، وثلاثة أمزجة لونية، ولكل منها وظيفة في الحكاية.
من النص إلى الصورة

في كتب الأطفال المصوّرة، كما تكتب د. نسيبة العزيبي، دور الكلمات أن تسرد ودور اللوحات أن تصف وتشرح، وأن تمنح أبطال الحكاية بيئاتهم وأشكالهم وهوياتهم، وهي أمور لم تُكتب في النص. وترى أن لوحات «البطل الخارق» لم تكن محاكاة تامة للنص، بل مزيجًا بين الواقعي وشبه الواقعي والميتافيزيقي، فصارت «حكاية ترافق الحكاية».
في هذا الكتاب تحديدًا تلتقي الكلمة والصورة على الصفحة نفسها بطريقة نادرة: نص القصة مكتوب بخط حسان اليدوي، فتجاور الكلمات المكتوبة باليد اللوحاتِ المرسومة باليد نفسها. وفي «أغلى ما في الوجود» يدخل النص إلى داخل الصورة: أشرطة مزخرفة تحمل العناوين، وفقاعات للحوار والتفكير، كما في القصص المصوّرة.
تنوّع العوالم
لو وضعنا الكتب الثلاثة جنبًا إلى جنب لصعب أن نصدّق أنها لرسام واحد.
«الحنين» كتاب الاستعارة: الغربة رأس تسكنه الأشياء، والحنين وجه عملاق ينظر إلى المسافر.
«البطل الخارق» كتاب الإنسان: رسم كلاسيكي بعيد عن البذخ، كما وصفه حسان، يراهن على المشاعر وعلى خصوصية عالم البطل.
«أغلى ما في الوجود» كتاب التفاصيل: عالم يستلهم المدرسة الواسطية، ويُقرأ على ثلاثة مستويات بحسب صفحة الكتاب على موقع الدار: متعة القصة، ثم اكتشاف شخصيات تاريخية وثقافية مخبأة في اللوحات مثل أم كلثوم وابن سينا وسقراط وأرسطو وآينشتاين، ثم التعرّف إلى استعارات من أعمال فنية شهيرة مثل «الموناليزا» و«الصرخة» ولوحة سلفادور دالي «إصرار الذاكرة».

السرد البصري في رسوم حسان مناصرة

في «البطل الخارق» صفحة لا كلمة فيها: تسعة مربعات تتتابع كما في القصص المصوّرة. الحكيم بقبعته المخروطية، ثم وجه البطل تحت المطر، ثم حقل من الحجارة والعشب، ثم ركض في الصحراء، ثم سباحة وقفز من صخرة إلى البحر، ثم غروب، ثم البطل جالسًا يتأمل، ثم الخيمة. رحلة طويلة تُختصر في صفحة، ويصنع إيقاعها اختلافُ أحجام المربعات: مربعات صغيرة للّحظات، وعريضة للمسافات.
يقول حسان إنه يستمتع كثيرًا بعمل الستوري بورد، وهذه الصفحة تشهد على ذلك: القطع من لقطة إلى أخرى يقوم بعمل الجملة.

وفي «أغلى ما في الوجود» يتخذ السرد شكلًا آخر: حوار بين الإمبراطور ووزيره تحت شريط «أنا تعيس يا وزيري!»، ثم صفحة تالية يحتل فيها وجه الوزير المكان كله، وفوقه فقاعة تفكير تحمل السؤال الذي سيقود القصة.
من الصفحة إلى الشاشة

امتدّ عالم «الحنين» إلى الفيديو. في فيديو القصة على قناة دار أشجار (2019) تتعاقب اللوحات مع جمل قصيرة من النص، وتظهر مشاهد من الكتاب لا تُعرض بين صوره على الموقع: صبيّ نائم في عمق الأزرق، وجسد ضخم نائم تحت النجوم، ودمعة تسقط قرب نبتة صغيرة، وقرية بأشجار حمراء.
وفي يناير 2026 نشرت الدار حديثًا مصوّرًا قصيرًا مع حسان مناصرة عن «أغلى ما في الوجود»، يصف فيه الكتاب بأنه «كرنفال من التفاصيل»، ويتحدث عن حلمه القديم بنص يقترب به من ثقافتنا ويستلهم رسومه من المدرسة الواسطية بتكويناتها وألوانها.
كتب حسان مناصرة لدى دار أشجار

الحنين
تأليف عائشة الحارثي، 2019، لعمر 8 سنوات فما فوق.
قصة حسن الذي سافر هربًا من كل شيء، فزاره الحنين ذات ليلة. يحوّل حسان الغربة إلى سلسلة استعارات بصرية: وجه عملاق، ويد زرقاء، ورأس تسكنه أشياء البيت.
البطل الخارق
تأليف د. نسيبة العزيبي، 2021، 52 صفحة.
أكريليك على ورق قطني، ونص مكتوب بخط الفنان، وصفحة من تسعة مربعات تروي رحلة بلا كلمات. بطل بملامح إنسانية لا بعضلات خارقة. ويمكن قراءة مراجعة القصة على المدونة.
أغلى ما في الوجود
تأليف داليا تونسي، 2026، 64 صفحة، لعمر 10–12 سنة.
إمبراطور امتلك كل شيء وبقي تعيسًا. عالم من التفاصيل مستلهم من المدرسة الواسطية، بشخصيات مخبأة واستعارات من أعمال فنية شهيرة. متوفر أيضًا مع حقيبة قماشية تحمل لوحة من الكتاب مستوحاة من «إصرار الذاكرة» لدالي.
خاتمة
الكتاب المصوّر ليس نصًا مع صور، بل مساحة يلتقي فيها الكاتب والرسام والقارئ، ويتقاسم فيها النص والرسم مهمة الحكي. وفي كل كتاب من كتب حسان مناصرة الثلاثة مع دار أشجار مثال مختلف على هذا اللقاء: استعارة تقول ما يعجز عنه الكلام في «الحنين»، وبطل يُرى إنسانًا قبل أن يُرى خارقًا في «البطل الخارق»، ومملكة تُقرأ مرة بعد مرة في «أغلى ما في الوجود».
يقول حسان في ختام حواره إنه يتمنى، إن كان هناك رسام أو كاتب صغير يمسك الكتاب الآن في مكان ما، أن يكون قد أضاء له «ممرًّا صغيرًا» نحو المستقبل. ولعلّ هذا أجمل ما يمكن أن تفعله صورة في كتاب.
لمن يحب القراءة عن أدب الطفل من مدونة أشجار: نظرة عامة في تاريخ أدب الأطفال، والحزن، الخوف، العنف... هل لهذه المواضيع مكان في أدب أطفالنا؟ بقلم د. نسيبة العزيبي، وتعرّفوا إلى كُتّاب الدار، وشاهدوا المزيد على قناة دار أشجار على YouTube.
اترك تعليقًا